في رثاء ابنته الشهيدة الصيدلانية "دينا"
مَن قال ودّعتِ الدُّنى ... ما زلتِ يا دينا هنا
تَحْيَيْنَ ملءَ جوانحي ... وتَخِذتِ قلبي مَسْكِنا
فأراكِ إن هلّ الضيا ... عن بدءِ يومٍ معلِنا
تتناولين القهوة السادا بشرفة بيتنا
نبراتُ صوتك صنو موسيقى تُهدهدُ سمعنا
وإذا مرَرْتِ بروضةٍ غنّا لمحتُكِ سوسنا
أنّى أسيرُ أرى مُحيّاكِ المتوّج بالسّنا
يا كنزنا، يا حبّ أردنّنا العزيز وحبّنا
ما كان من قبل الشّذى ... دمهُ يُراقُ بحوْضِنا
مَن قال غادرتِ الحمى ... أتغيبُ عنّا شمسنا
مَن قال هذا واهمٌ ... ما زلتِ نجمةَ أُفْقنا
كَمْ قد ملكتِ من المحاسن يا قلادةَ جيدنا
خُلُقٌ رفيعٌ كامل ... والعقل بالفكر اغتنى
والمبدأ السامي لكِ الحادي وكان الدّيْدَنا
دينا فديتكِ لم أكن أدري المصير المحزنا
لَقَطعتُ أيدي المجرم الجاني بعزمٍ ما ونى
لكنّه أمر العليّ ... والله يبلو المؤمنا
فاستبشري في جنّةٍ ... لا حزن فيها أو عَنَا
أنتِ الشهيدةُ لا مِرا ... روّى نجيعُكِ أرضَنا
كنتِ النّقية كالنّدى ... ما كفّها ذنباً جنى
يا زهرة الزهرات قد أدمى اغتيالكِ أعيُنا
في ذمّة الأردن مَنْ طابت بأصلِ معدِنا
كم قد رثيتُ من الجهابذةِ الألى من صَحْبِنا
كان القريضُ يُطيعني ... ويجيء سهلاً هيّنا
لكنّه أمسى العصيّ ولم يعُدْ لي مُذْعِنا
يا موتُ قاسٍ أنتَ ... لا تختار إلاّ الأحسَنا
قد غِلْتَ بابنتنا المميَّزة الأماني والمُنى
شُلَّت يدُ الجاني فقد أبكى المُصابُ الأُردُنا
مَن يصرع الوردً الشَّذيّ ... كان الأخسَّ الأجبنا
أردنّ يا طودَ العدالةِ سيفُ عدْلكَ ما انثنى
حِصنُ الشهامة والمروءةِ للنّزيل المأمنا
إنّا نُباهي دائماً ... كلّ البلادِ بأمْنِنا
ما كنتَ يوماً دار إجرامٍ وشرٍّ أو خَنا
فاسحَقْ بحُكْمكَ مجرماً ... فظّاً لئيماً أرعنا
كي تبقى للحقّ الصُّراح وللسلامة موطنا
يا موطني هذي فتاتُكَ قطعةٌ من نفسنا
فاجعل جفونك للحبيبةِ والبريئةِ مَدْفَنا
واعْقِدْ من الأزهار إكليلاً بهيّاً مُتقَنا
ليكون مثواها المطهَّر بالزّهور مزَيّنا
وليشْدُ طيرُكَ في الرُّبى ... لحنَ الوداع مُؤبِّنا
دينا الفريدةُ والغزيرةُ والأثيرةُ عندَنا
سيظلُّ ذكْرُكِ خالداً ... أرِجاً بآياتِ الثَّنا
نصغي لصوتكِ كلّما ... غنّى الهُزارُ بروْضنا
*************
نماذج من شعر سليمان المشيني:
أنا شاعر الأردن من غنّى له
أسمى ملاحمه على مزماره
غنّيتُ للأردن عذب قصائدي
زيّنتها بالسحر من نوّاره
وفخرتُ في صحرائه ورماله
وشدوتُ في أرباضه وقفاره
مجد العروبة صيغ في أردننا
بمعارك اليرموك في ذي قاره
إن ذلّ ذل الضاد في أقطاره
وهوت معالم عزّه وفخاره
سأظل أشدو باسمه المحبوب ما
فتنت زهور الروض في أياره
*************
أوقف الركب وســــــلم وانثر في حمى الأردن عقد الجوهر!
والثم الساح التي قد خضبت بدم الأبطـال عبر الأعصـر!
واخفض الهامة إجلالا لــــه ولماضــــيه العريق العــــطر!
هاهنا جدي وأمي وأبــــي هنا من أحببت منــــذ الصــغر!
عن فدى أردننا لا أنثــــــني قاذفا بالمعــــــــــتدي في سقر!
*************
أردنُّ، يا غاب الليوث، ومهدها
يا حصن كلّ مجاهدٍ رئبالِ.
ما كنتَ إلا السيف دوماً مصلتاً
فوق الرقابِ، وقاهرَ الأنذالِ.
أكرم بـ«عبدالله» سبط المصطفى
أنعم به من عاهلٍ مفضالِ.
يا يوم الاستقلال، كم ذكّرتنا
ما قد بذلنا من دمٍ، ورجالِ!
*************
عشتَ عبد اللهِ، يا ليث العرينِ
رافلاً بالمجد مرفوع الجبينِ
يا وريث الهاشميين الأمينِ
دمت للجلّى، وللنصر المبينِ
*************
بلادي عرين الأسود الغضاب
بلادي فداها دماءُ الشباب
لأجلِ علاها تهون الصعاب
ودون حماها الردى يستطاب
*************
الأردن أولاً
هذا الحمى الحبيب - الهاشميّ المهيب
شعر: سُليمان المشّيني
أردنُّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعمل
أردنّ فجرنا أردن بدرنا
أردن رسمه سُكْناهُ صدرنا
كي يبقى عامرا ... للحق ناصرا للظلم قاهرا...حرا وظافرا
هذا الحمى الحبيب الهاشمي المهيبْ
فردوسنا الخصيب تهفو له القلوبْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
يا صانع الجُلّى يا قلعة الحشدِ
للوحدة الكبرى عِشْ خافق البندِ
يا كعبة الخلدِ يا غابة الأسْدِ
جدّدْ لنا الماضي بالبذل والجهدِ
الروح كم تهواكْ...فالسحر في مغناكْ... آسادنا ترعاكْ
تُعلي صروح بناكْ
نشيد لكَ المجد والسؤددا
لتزحم راياتِكَ الفرقدا
نموت ونحيا لكي تَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
تاريخُكَ الوضّاءْ أمجادُكَ الغرّاءْ
آثارُكَ الشمّاءْ تدعونا للعلياءْ
بتراؤنا تروي انّا من الصخرِ
شيّدنا مملكة بالبأس والصبرِ
فلنمضِ يا أبطالْ...قدما بدون كلالْ...من يسعَ نحو كمالْ
لَمْ يلتفِتْ لِمُحالْ
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا أردنّ في المُقَلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
كي يبقى عامرا للحق ناصرا
للظلم قاهرا حرا وظافرا
أردنّ أولا...أردنّ أوّلا...
سُليمان المشّيني
إلى سيّدة حسناء
شرَّفْتِ الموطن حسنائي ... فأضاء النّورُ الظلماتِ
وانساب بساحته أرجٌ ... عذْبٌ علوي النفحاتِ
والعاصفة الكبرى سكَنَتْ ... وأهلّتْ أحلى نسماتِ
كاد الوجدانُ لروعتها ... أن يرسمها في خفقاتِ
سأظلّ مديناً لحضورٍ ... بالبهجة زان السّاعاتِ
ويكون قريضي تكريماً ... لقدومكِ في غدنا الآتي
فلأنتِ بصحراءِ حياتي ... تبدين ظلالَ الواحاتِ
أوصافكِ يا بدر بلادي ... لا تَرْقى إليها كلماتي
مَنْ مثلُكِ أدباً وبياناً ... أغنى بالفكرِ الصّفحاتِ
مَنْ مثلُكِ حُسناً وجمالاً ... مَنْ صُنْوُكِ في سحرِ صفاتِ
فالثّغرُ تعظّمَ مبدعه ... والوجه بديع القسماتِ
وإذا حدّثْتِ فموسيقى ... ترقى لرفيع السّمواتِ
وإذا ما الملكاتُ اجتمعتْ ... تبدين أجلّ الملكاتِ
لنهوض المرأة عاملة ... أبداً بصمودٍ وثباتِ
************************************
من وحي الثلوج
شعر سليمان المشيني
كوجهِ بلادي البهيِّ الجميل ... رؤى الثلج في السّفحِ والرّوضةِ
مساكبُ شمسٍ تَشِعُّ السَّنا ... تَدَفّقُ في الحُسنِ والفتنةِ
تُدَثِّرُ أرضَنا دنيا الرُّواءِ ... ببيضِ البرُودِ .. وبالرّوعةِ
فتبدو كخَوْدٍ كَساها البياض ... مزيداً من الدّلِّ والرّقّةِ
فيا وافداً من رحابِ السماء ... تجمَّلَ بالطّهرِ والعفَّةِ
أهلَّ فكان ابتهاجَ الحمى ... أنار محيّاهُ .. بالبسمةِ
وكان لقاؤهُ عيدَ الطفولة ... والغيدِ والشّيبِ والصِّبْيَةِ
وبين يديهِ غَفَتْ أرضُنا ... تنعّمُ في رائع الغفوةِ
وتحلُم في موسمٍ طيِّبٍ ... يبشِّرُ بالخصبِ والغَلّةِ
هلا بكَ ضيفاً عزيزَ القدومِ ... رسولَ الندى الثّرِّ والنعمةِ
هلا بكَ في الأردنِ المفتَدَى ... بفيضِ النّجيعِ وبالمهجةِ
فما مِثْلُهُ في الورى موطنٌ ... تميّزَ بالسّحر كالجنّةِ
نما المجد فيهِ وغنّى لهُ ... فمُ الدّهرِ أروع أغنيةِ
عَشِقْتُكَ أردنُّ همتُ بواديك ... بالحَزْنِ بالتّلِّ بالرّبوةِ
وغنّيتُكَ الشعرَ من خافقي ... فإنّكَ تسكنُ في مقلتي
إذا كان لي من أمانٍ كبارٍ ... فتخليدُ ذِكرِكَ أمنيّتي
ويا أهلنا في ربوع الحمى ... وبالرّيفِ والغَوْرِ والبلدَةِ
عطاءً فإنّ الحياةَ عطاء ... تميَّزَ بالنّبل والرحمةِ
عطاءً لكلِّ أخٍ مُعْسِر ... يعاني من الضّيقَ والشِّدّةِ
وصانَ المهيمنُ أردنّنا ... حمى للمحبّةِ والوَحدةِ
وصانَ المهيمنُ أردنّنا ... حمى للمحبّةِ والوَحدةِ
سليمان المشيني
حنين إلى الوطن
شعر سليمان المشيني
أُلقي عصا التّرحال في بلدي
بلدي أعزُّ عليّ من كبدي
فالأردن المحبوب في نظري
بالسحر يشبه جنّة الخُلْدِ
ومياه أنهره وروعتها
أشهى على كبدي من الشّهْدِ
ونسيمه العطري كمْ حملتْ
نفحاته للصدر من ورد
ورياضه الغنّاء .. فتنتها
تسمو وأيم الله عن عدِّ
وطيوره .. إنْ غرّدَتْ سَحَراً
خِلْتَ الجمادَ اهتزَّ مِن وجدِ
وحِسانُهُ تَيَّمْنَني وأنا
صبٌّ بِحُسْنِ الوجهِ والقدِّ
أَكْرِمْ بهِ .. وبأهلهِ أهلي
أَعْظِمْ بهِ من موطن المجد
ولقد ذكرتُ الأردنَ الغالي
وأنا غريبٌ جالسٌ وحدي
فاشتدَّ تحناني لأرْبُعِهِ
وكَسَتْ دموعي صفحةَ الخدِّ
وودِتُ لو مُلِّكْتُ أجنحةً
لأطير للأحبابِ والولدِ
وأقصّ للخلان .. أعلمهم
أني أقَضّي الليل بالسُّهْدِ
لم يستطِعْ قصرٌ وأرْوِقَةٌ
ومجامر البَخّور والندِّ
ومفاتنٌ ومباهجٌ ورؤىً
تغري غريب الدار بالبُعدِ
لم تُلْهِني تلك المفاتن عن
أرضي ولم تُبعدْني عن قصدي
فبقيتُ .. روحي في حمى وطني
تحيا هناك .. وخَلَّفَتْ جسدي
حتى إذا طيف الرّحيلِ بدا
غنّيْتُ كالنّاجي من القيدِ
وتوجّهَتْ في عودتي روحي
للخالق الرّحمن بالحمدِ
ولثمتُ تربة موطني وأنا
هيمان في فرحٍ بلا حدِّ
يا أردنَ الصّيدِ الأولى قسماً
إني سأرعى حرمة العهد
فاسلمْ ودُمْ ذُخْراً لأمّتنا
تفدي ثراكَ جحافل الأُسدِ
فدوى لعيونك يا أردن
كلمات الشاعر سليمان المشيني
ألحان روحي شاهين
فدوى لعيونك يا أردن
ما نهاب الموت حنّه
يا حمى غالي علينا
ما نطيق البعد عنّه
نذكره صبح وتماسي
حنّه ما ننسى وطنّه
فدوى لعيونك يا أردن
الغوالي يرخصنّه
يا وطن عزه وحميّه
ديرة بالحسن جنّه
ما يفي حسنه قوافي
والمسك فوّاح منّه
أغلى من تبرٍ ترابه
يفتديه الكلّ منّه
نمتطي جنح المخاطر
بالدّما ما نبخلنّه
عالجمر تمشي النّشامى
والوفا للحرّ سُنّه
نزرع ارضه بالمفاخر
حنّه لَن قلنا فعلنه
البتراء الخالدة
ثانية عجائب الدّنيا السّبع
شعر سليمان المشيني
لِبترا صاغَ ثغْرُ الخُلْدِ لَحْنا ... تَفَرَّدَ فيهِ موسيقى وَوَزْنا
لِثاني عجائِبِ الدنيا لِصَرْحٍ ... سَبى الألبابَ إعْجازاً وَفَنّا
فبتراءُ العظيمةُ منذُ كانت ... عليها مُبْدِعُ التاريخِ أثْنى
أشادَتْ باسْمِها بِكْرُ القوافي ... بِشِعْرٍ قد سَما برفيعِ معنى
فَما كَرُسومِها في الأرضِ رَسْمٌ ... ولا كَبِنائِها في الكونِ مَبْنى
وهندَسَةٍ عن الأوصافِ جَلَّتْ ... وآثارٍ نُهى الدّنيا خَلَبْنا
مَرابِعُ عِزّةٍ قَعْساءَ يبدو ... بها الماضي كَنورِ البدْرِ لَوْنا
فَأنَّى تَمضِ .. نَفْحُ المجدِ طيْبٌ ... وأسْطُرُ سؤدُدٍ سامٍ كُتِبْنا
تُرى مَنْ شيّدَ البترا قديماً ... أمِنْ بَشَرٍ هُمُ أمْ كانوا جِنّا
هُمُ العَرَبُ الأرادِنَةُ النّشامى ... إذا شاءوا يَصيرُ الصّعْبُ هَيْنا
بَني الأنباطِ خوّاضي المنايا ... لِعَزْمِكُمُ جبينُ المجدِ يُحْنى
فَما شِدْتُمْ يُحَدّثُ عنْ مَضَاءٍ ... وبأسٍ سَحْقُهُ الأخْطارَ سُنّا
إذا ما طُفْتَ أرْبُعَهُم تَبَدّتْ ... رجالٌ كالبدورِ إذا طَلَعْنا
تُظَلّلهُمْ رِماحٌ مُشْرَعاتٌ ... كَبَرْقٍ حينَ يلمَعُ في الدُّجُنّا
فَمِلْءُ العينِ والآفاقِ خَيْلٌ ... يُغَطًي زَحْفها سهلاً وَحَزْنا
عَلاها فِتْيَةٌ غُرٌّ شِدادٌ ... وَصِيْدٌ لَمْ تُقِمْ للموتِ وَزْنا
دِماؤُهُمُ لِصُنْعِ الفخرِ رَهْنٌ ... فما عَرَفوا بِساحِ الحَرْبِ وَهْنا
سلامٌ يا رُبى البترا شَذِيٌّ ... سلامٌ ما شدا طيْرٌ وَغَنّى
على الدّيْرِ العظيمِ على تُراثٍ ... سيبقى خالداً حِفْظاً وَصَوْنا
على السّيقِ الذي يَرْوي حَكايا ... عقولَ أعاظِمَ العُلَما سَلَبْنا
وهذي الخزْنةُ الكبرى كتابٌ ... يُحَدّثُ كيف آيَ الدّهْرِ شِدْنا
صَليلُ سُيوفِنا قد كان يحْكي ... صَهيلَ الصّافِناتِ إذا وَثَبْنا
وكان هُتافُنا .. رعْداً يُدَوّي ... فِدى بترائِنا نَحْيا ونَفْنى
بَني الأنباطِ يا أُسْدَ البوادي ... أُباةَ الضّيْمِ أجدادَ المُثَنّى
صَنَعْتُمْ أيَّ مُعْجِزةٍ بِعِلْمٍ ... أحَالَ المَهْمَهَ الصحراءَ حِصْنا
بِعَهْدِ الحارِثِ المِقْدامِ سُدْتُم ... وَعِشْتُمْ سادَةً عِزّاً وَيُمْنا
لِيَبْني سُؤدداً للضّادِ يَبْقى ... تَحَدّى الموتَ قلباً مُطْمَئِنّا
وكان النّصرُ طَوْعَ يديهِ دَوْماً ... وَشَرْعَ العدلِ والإنصافِ سَنّا
بَني الأنباطِ ما أعطَوْا وَأعْلوْا ... على تاجِ البِنا أضْحى لُجَيْنا
فَمَنْ مِنْ قَبْلِكُم شادَ المعالي ... وَمَنْ سَوّى ثرى الصّحراءِ جَنّا
بِظِلِّ الحارِثِ الفذّ السّجايا ... وَمَنْ بالسّيْفِ حَقّقَ ما تَمَنّى
رُبوعُكَ أرْدُنَ الأمجادِ مَلأْى ... بآثارٍ تُحَدّثُ كيف كُنّا
لقد كُنّا وما زِلْنا أُباةً ... نُدَمّرُ كُلَّ عادٍ يدنو مِنّا
فَما لانَتْ بِمَعْرَكَةٍ قَنانا ... فَسَلْ عَنّا الكرامَةَ تُنْبي عَنّا
فَيا أُرْدُنُّ يا طَوْدَ المعالي ... لكَ الرّوحُ الفِداءُ فَقَرَّ عَيْنا
سَتَبْقى للحضارةِ خَيْرَ رُكْنٍ ... وَتَحْيا للمعارف خيرَ بَنّا
أحدث قصيدة للشاعر الأديب سليمان المشيني سيلقيها لأول مرة بمناسبة تكريمه في مسقط رأسه
السّلط
وقافيةٍ فذّةٍ حرّةٍ ... من الشعر..ما صُغْتُ أمثالَها
شَرودٍ تَلمّعُ في الخافِقََيْنِ ... إذا ذُكِرَتْ..قيلَ مَنْ قالها
بأغلى اللآلىءَ زيّنْتُها ... إلى ربّةِ الحُسْنِ تُهْدَى لها
فقدْ تُوِّجَتْ بالجمال الذي ... يَشعُّ الحياةَ وَسَيّالَها
لها طَلْعَةٌ كانبثاقِ الصّباحِ ... يُزيلُ عن الرّوحِ أثقالَها
وَعَيْناها عَيْنا رشا فاتنٍ ... وأُمُّ البها طَرّزَتْ شالَها
إذا بَسَمَتْ هَلَّ وجهُ الرّبيعِ ... وأَنْشَدَتِ الطّيْرُ مَوّالَها
وَإِنْ لامَسَتْ صخرَةً كُهْرِبَتْ .. وَأَجْرَتْ من الصخرِ سَلْسَالَها
فَمِلْكُ يديها الرّواء الذي ... يعيشُ يُقَبِّلُ أظْلالَها
عَشِقْتُ صَباها وأجواءَها ... كَذاكَ ضُحاها وآصالَها
وأروعُ شعري غنّيتُها ... وأبذُلُ روحيَ "كُرْمالَها"
تُرَى هَلْ عرفتُم فيمَنْ أَهيمُ ... ومَنْ تعشقُ الرّوحُ صُنْواً لَها
هي السّلطُ دار الخلودِ المقيمِ ... وحقُّ الوفا يَقْضي إجلالَها
فَما أَنْجَبَتْ غير شُمِّ الأُنوفِ ... كما تُنْجِب الأسْدُ أشْبالَها
إذا ما المعالي دَعَتْ ولْدَها ... تنادَوْا يُلَبّونَ تَسْآلَهَا
ووحدَةُ أمّتِنا همُّها ... لِتَحْيا وتُصْلِح أحْوالَها
تَسامَتْ بأمْسٍ شَذيّ السّنا ... وكان النّدى أبَداً خالَها
وتبقى من الأرْدُنِ المُفْتَدَى ... مَعينَ الحياةِ وشَلالَهَا
وطابَتْ ثَرَىً بالليوثِ الأُلى ... دِماهُم تُعَطّر صَلْصَالَها
فماذا أقولُ بها مِنْ ثَنا ... ويستبِقُ الفعلُ أقوالَها
عليها من الخُلْدِ تعويذَةُ ... ألَحّ الزّمانُ فما زالَها
وعطّرَها العِلْمُ في عِطْرِهِ ... وحَلّى يديْها وأحْجالَها
فدارُ المعارِفِ كانت بها ... ولا يُنْكِرُ العلمُ أفْضالَها
وقلْعتُها عنْ بطولاتِها ... تُحَدّثُ بالفخر أجْيالَها
وكيف الحُماةُ استماتوا فِدىً ... فقد خلّدَ الدّهْرُ أبْطالَها
وواديها للفنّ فردوسُهُ ... وللنفسِ يبعثُ آمالَها
وللشعر يوحي القوافي التي ... تجيء تجرجرُ أذيالَها
وقد حَمَلَت طيّ أحشائها ... نديّ المعاني وإخْضالَها
فيا سلطُ عفوَكِ ماذا أقولُ ... بِمَنْ طرّزَ المجدُ سِرْبالَها
وقد أصبحَتْ موئلاً للعلاءِ ... على النجمِ تسحبُ أذيالَها
ولو لم تكوني أعزَّ حمى ... لَزُلْزِلَت الأرضُ زِلْزالَها
*****************
جرش العربية الخالدة
شعر سليمان المشّيني
لبس التاريخ من أثوابها ... والحضارات سَرَتْ من بابها
زيوس الأكبر حامي حوضِها ... أرْتميسُ النورِ من حُجّابها
ولواء العزّ رفراف السّنا ... وأريج الخلد في محرابها
أرضها الغرّاء كانت أبداً ... مضرِب الأمثال في إخصابها
وثراها طابَ عَرْفاً وشذىً ... بدم الأبطال من أصحابها
والميامين الألى سادوا المدى ... نسِبوا قِدْماً إلى أصلابها
والمروءات وعزمٌ وإبا ... وسجايا النبل من أنسابها
هي والبدرُ رفيقا عُمُرٍ ... والنجوم الزُّهْرُ من أترابها
أيّ دنيا من جمالٍ وبها ... أيّ حُسنٍ ضُمَّ في جلبابها
كانت الجنّةَ مأوى للشذى ... وجموع الطير في أسرابها
كَسَت العالم أبراد الرواء ... وازدهى البنيان من أخشابها
قبلةَ الأنظار كانت مثلما ... كانت الصفوةُ من أربابها
سُننَ الأمجادِ سنّتْ شِرْعةً ... والورى يمشي على أعقابها
والفروسية فيها نشأت ... وبنوها الصّيد من أحبابها
ولها جيش عظيمٌ ظافرٌ ... مَنْ تُرى يَقْوى على إغضابها؟
جرش العزّة والخلد معاً ... كانت العلياء من خُطّابها
وإذا ما المُزنُ يوماً هطلت ... فلها الحصّة من تَسْكابها
كانت الدنيا إذا ما غَضِبَتْ ... بادرتْ تسعى إلى أعتابها
جرش الأردنِّ مَنْ يشبهها ... عَجِز العالم عن إنجابها
جرش السيدة الأولى التي ... كان تاج الملك من ألقابها
بلغت في روعة الفن الذّرى ... تفتِن الألباب في خلابها
هذه آثارها شاهدةٌ ... تروي عن عزّ وأمجادٍ بها
تِلْكُمُ أعمدة الساح تُرى ... صُنْوَ حرّاس على أبوابها
بصمات الفنّ في عمرانها ... مثلما الكحل على أهدابها
والقوافي كم تغنّت باسمها ... وشَدَتْ فيه على شُبّابها
سائل الأزمان تُنْبيكَ بما ... يبعث الإعجابَ عن أحسابها
كلّ ما فيها سطورٌ عبّرت ... عن عُلىً عاشته في أحقابها
جرش اليومَ أفاقت لغدٍ ... وانبرى أسدُ الشّرى من غابها
يُرجعون الأمس خفّاقَ اللوا ... والمنى تختال في أطيابها
ليالي العقبة
شعر: سليمان المشيني
البحرُ ... بِساطٌ من رَوْعَهْ
والشاطىءُ إغفاءٌ وَدَعَهْ
والنجمُ قناديل سَناءٍ
بقِبابٍ زرقاءَ مُشِعَّهْ
والبدرُ الأخّاذُ مَهيبٌ
بغِلالتهِ عذبُ الطّلْعَهْ
وشراعٌ أبيضُ يَخْتالُ
والكوْنُ رُواءٌ وجمالُ
وتهبُّ الأنسامُ رُخاءً
والزّورقُ تيهٌ ودلالُ
والأفقُ تجلَّتْ فِتْنَتُهُ
والنّورُ السّاحِرُ شلالُ
وشبابٌ في عمر الوردِ
وحوارٌ يعبق بالودِّ
والعودُ يُوقِّعُ ألْحانا
أحلى وألذُّ من الشّهْدِ
تنسابُ بأجواءِ صفاءٍ
وتقصّ أحاديث الوجْدِ
وتلوحُ رؤى سحر العَقَبَهْ
في حلّةِ حُسْنٍ منتَخَبهْ
وتبين حدائقها الكبرى
أمواج جمال مصطخبهْ
فكأنّ الفن أقام بها
وعليها قد ألقى ثوْبَهْ
ذكرى شاعر شعراء الأردن
الأمير الفارس " نمر ابن عدوان "
شعر سليمان المشيني
يا غيثُ نَدِّ ثرى نمرِ ابن عدوانِ
ما أشرقَ الفجرُ أو كرَّ الجديدانِ
نِمْرٌ أميرُ قوافي الشعرِ في بلدي
وفي العراقِ وسوريّا ولبنانِ
نمرُ الأجَلُّ به يزهو القريضُ كما
تزهو العرائس في درٍّ ومرجانِ
نمرُ ابنُ عدوانَ شيخ الشعر إنّ له
في قلب كل أريبٍ صَرْحَ إيوانِ
في سحر شعرك ... حرّكْتَ الجمادَ فما
أولاكَ حقاً بإكليلٍ بِعِقْيانِ
ما صُغْتَهُ من قصيدٍ رائعٍ جَزِلٍ
يكادُ ينطقُ عن أشعار حسّانِ
أنشدْتَ للوطنِ الغالي ملاحمَه
يا فارساً جاءَ من أصلابِ فرسانِ
ما كنتَ مُذْ كنتَ إلا شاعراً بطلاً
سامي المبادىء تهوى رِفْعةَ الشانِ
كرّسْتَ في شعركَ السامي الذُرى مُثُلاً
خلّدت في دُرّكَ المكنونِ أوطاني
حتّى غدا شعركَ الفيّاض منتشراً
على فمِ الشّعبِ من شيبٍ وشُبّانِ
في شونةِ العزّ والأبطال منبتُهُ
أرضِ النّدى والوفا ديوانِ ضيفانِ
دارِ المكارمِ منشأها وديرتها
عون الدّخيل وغوث الحائرِ العاني
أخت الحضارة والعمران في زمن
أردنّنا عاش فيه عهدَ عرفانِ
أهفو إليها لعلّ العيش يهنأ لي
ما بين أهلي وأصحابي وإخواني
حسبي فخاراً وحسبي عزّةً بلدٌ
في كلّ شبرٍ به آثارُ قُربانِ
يا شاعراً ملْهَماً في الشعرِ مبتكراً
ما جاء فيه رواه القاصي والدّاني
إذا تغنّى بوضْحا في قصائده
أضحى الصّبا يتهادى مثْلَ نشْوانِ
والرّوضُ يعْبَقُ والأزهارُ راقصةٌ
والطّير نشْوى تغنّي فوق أفْنانِ
والقلبُ يخفقُ والأرواحُ هائمةٌ
والأفقُ رجْعُ صدى شعر والحانِ
مَنْ مثْلُ نمْرٍ إذا ما قال ملحمةً
خِلْتَ البوادي له تُصْغي بتحنانِ
مَنْ مثْلُهُ إنْ شدا في الفخرِ ملحمةً
خِلْتَ البوادي له تُصْغي بتحنانِ
يا أرْدُنَ السّؤددِ الموروثِ يا وطني
قُمْ سائلِ الدّهرَ عن أمجادِ عمّانِ
أليسَ فيكَ حضاراتُ الورى وُلِدَتْ
وشمسُ عِلْمكَ في الأقطارِ شمسانِ
أبناؤكَ البُسَلا قد شيّدوا قِدَماً
"بترا" العظيمةَ من صخْرٍ وصوّانِ
والصّيدُ جُنْدُكَ في اليرموكِ قد هزموا
جيشاً لُهاماً قويّ البأس روماني
هذا الحِمى قلعةٌ شمّاءُ شامخةٌ
بالصّعبِ تهزأ ... قواها نار بركانِ
هذا الحمى راية عَلويّةٌ خَفَقَتْ
في كلّ معركةٍ والفوزُ فوزانِ
يا نمرُ يا شاعرَ الشّعرا وفارسهم
ويا أميراً على شعرٍ وتَبْيانِ
تكريمُكَ اليومَ تكريمُ الأُلى صدقوا
ما عاهدوا الله في صدْقٍ وإيمانِ
تكريمُكَ اليومَ إحْياءٌُ لكوكبةٍ
ذكراها تبقى لأجيالٍ وأزْمانِ
عرائسَ الشعرِ حيِّ نجمَ أُرْدُنِنا
مَنْ ينتمي لخيار الناسِ "عَدواني"
تاريخه حافلٌ في كلّ مأثرةٍ
أما القريضُ ففيه السّحرُ سِحرانِ
أردنّ خَلِّدْ ومَجِّدْ شاعراً بطلاً
تهفو له الروح في سرٍّ وإعلانِ
سَلِ المعاركَ كم أبلى بساحتها
تُنْبيكَ عن بطلٍ في كلّ ميدانِ
والناسُ مُذْ خلقَ الرّحمنُ عالمنا
الناس مذْ كان هذا الكون صنفانِ
هذا يرى في سما العَليا سعادته
وذاكَ يُمعنُ في فسقٍ وبهتانِ
في ذمّة الله والتاريخ يا عَلَماً
له مكانتهُ في كلّ وجدانِ
ما مُتَّ يا نمرُ ذكراكم ممجّدةٌ
فالذّكرُ للمرءِ عمرٌ خالدٌ ثاني
ما مُتَّ يا نمرُ ذكراكم ممجّدةٌ
فالذّكرُ للمرءِ عمرٌ خالدٌ ثاني
سليمان المشيني
أَحَقٌّ غابَ وَضّاحُ المُحَيّا؟
شعر سليمان المشيني
في رثاءِ فقيد الأردن الأمثل عصام عريضة طيّب الله ثراه.
أَحَقٌّ .. غابَ وجهُ عصامَ عنّا؟
وَزَيْنَ شبابنا الرّاقي فَقَدْنا؟
أَحَقٌّ غابَ وَضّاحُ المُحَيّا؟
وطَلعتُهُ البهيّة ودّعَتْنا؟
أَصِدْقٌ .. قد تَرَحَّلَ عن حِمانا؟
أَخٌ أوصافَهُ المُثْلَى عَشِقْنا؟
لَعَمْرُكَ .. إنّهُ خَطْبٌ جسيمٌ
وكربٌ أدمى للأردنِّ عَيْنا
سلامٌ مُفْعَمٌ .. عِطْراً ونَشْراً
سلامٌ أيّها الغالي علينا
على الوجه الوسيمِ يشِعُّ لُطفاً
وبسمتهُ تَزيدُ الوجه حُسْنا
على الخُلُقِ الرّضي على سجايا
حسانٍ أدْهَشَتْ أقصى وأدنى
على الأدبِ الرّفيعِ على يَرَاعٍ
بِسِحْرِ بيانِهِ .. كم قَدْ فُتِنّا
على وطنيّةٍ فيها نُباهي
وإخلاصٍ بهِ الحادي تَغَنّى
فقد كان الشُّجاعَ فلا يُبالي
ولم يعرِفْ إذا ما هَمَّ جُبنا
وسيفاً أردنياً ذا مضاءٍ
وضِرغاماً له الإقدامُ سُنّا
صحائفُ أُثْقِلَتْ شَمَماً وطيباً
حياتُهُ وازدَهَتْ خِصْباً ويُمْنا
وخيرُ النّاسِ ذو حَسَبٍ مجيدٍ
سِجِلَّ الفخْرِ والعَلْياءِ أَغْنى
فآلُ عَريضةٍ نُجُبٌ أُباةٌ
عليهمُ سادِنُ التّاريخِ أَثْنَى
فَكَمْ قدْ أنْجَبوا صيداً كماةً
وكانوا نورَ بَدْرٍ في الدُّجُنّا
وأَصلُهمُ المؤَثَّلُ طابَ عَرْفاً
فحيّا اللهُ أَحْساباً كَرُمْنا
وَمَنْ يُنْمَى لأحرارٍ كرامٍ
يَكُنْ بِعَطائهِ الموصولِ مَعْنا
عِصامُ ألا تعودُ إلى صحابٍ
أَحِبّا أَقْطَعوكَ القلبَ سُكْنا
عليكَ دموعُ أردنِنا سجامٌ
فأنتَ لهُ بِحَقٍّ كنتَ إِبْنا
ففي الأحداثِ كنتَ تقولُ جَهْرا
نعيشُ فِداء أردنِنا ونفنى
ثراكَ مقدَّسٌ وطني المفدّى
تَضَمَّخَ بالنّجيعِ فصارَ حِنّا
فمُذْ كان المدى غَيْظُ الأعادي
وبالأرواحِ تُحْرَسُ والأسِنّا
ستبقى ما حَيينا غابَ عِزٍّ
وللشرفِ الرّفيعِ تظلُّ حِصْنا
ميامينٌ بنا للرَّوعِ عِشْقٌ
وما في وجهِ أعداءٍ جَبُنّا
وما لانَتْ بمعركةٍ قَنانا
فَسَلْ ساحَ الكرامة تُنْبي عَنّا
رحيلُكَ يا حبيبَ الشّعبِ رُزْءٌ
كبيرٌ أورث الأردن حُزْنا
فقد كنتَ المثال بِحُسْنِ فِعْلٍ
وخدمتُكَ الحمى أعْلَتْكَ شأنا
ففي دنيا الرّياضة أنتَ نجمٌ
لنهضتها الحديثةِ صرْتَ رُكْنا
وفي الإعْلامِ فارسه المُجَلّي
وفي عُمرانِهِ .. قد كنتَ بَنّا
وفي الآدابِ أستاذٌ أريبٌ
وفي حقلِ الخَطابةِ كنتَ لَسْنا
لكَ التّبيانُ مِطْواع أمين
بهِ أرقى صحائفنا حَفَلْنا
وفي هَمْساتِكَ الغرّاءِ سِحْرٌ
ويبدو نثرها كالشِّعْرِ فَنّا
فكمْ مِنْ روعةٍ فيها تبدَّتْ
وفكْرٍ قد سما معنى ومبنى
وعُمْرُكَ عِشْتَهُ عملاً حميداً
تغنَّيْنا بهِ فخراً وَتِهْنا
وعمرُ المرءِ لا يُحْصَى سنيناً
ولكن في مآثِرَ خَطّهُنا
إلى دنيا الخلودِ أبا عُدَيّ
وَطِبْ نفساً هناك وَقَرَّ عَيْنا
فلا ألم ولا حزن وضيق
فَكُنْ فيها بأمن مطمئنّا
وذِكْرُكَ سوف يبقى أبا عديٍّ
كأنّكَ لم تَزَلْ بالقربِ منّا
وذِكْرُكَ يا عِصام يظلُّ حيّا
كأنّكَ يا أخي ما غِبْتَ عنّا
سيذكُرُكَ الحِمى ما هلَّ فجْرٌ
وما الشّادي على فَنَنٍ تَغَنّى
ولَنْ نَنْساكَ ما صُبْحٌ تَراءَى
وما الشّادي على فَنَنٍ تَغَنّى
سليمان المشّيني
الذكرى المئويّة لميلاد شاعر الأردن الكبير وأستاذ الأجيال حسني فريز طيّبَ الله ذكراه (ولد عام 1907)
شعر سليمان المشّيني
لِتَكُنْ ذرانا الشّامخاتُ مُقامَهُ
ففقيدُنا منها استقى إلهامَهُ
وَلْيَهْدِهِ الشّعرُ المجنّحُ تاجهُ
فالشّعرُ كان نجيّه وهُيامَهُ
وليغمرِ الوردُ الشّذي ضريحهُ
فالوردُ كان سميرَهُ وغرامَهُ
وليحضُنِ الأردنُّ شاعره الذي
غناه طيلة عمرهِ أنغامهُ
ولْتَرْثِهِ القدسُ التي تحريرُها
مِنْ قبضة الدّخلاء كان مُرامَهُ
وَلْتَبْكِهِ الوحدةُ الكبرى التي
كانت لتحقيق العُلى صَمْصامَهُ
أعْظِمْ بحُسْني شاعراً ومفكِّراً
قد كان للأدبِ الرّفيعِ إمامَهُ
أكْرِمْ بهِ أستاذَ جيلٍ مؤمناً
لم ينسَ قطُّ الضّادَ أو إسلامَهُ
قد كان في دعم المعارفِ رائداً
والعِلْمُ قد حيّا له إسهامَهُ
تَخِذَ التّفاني مبدأً حتّى يرى
أردنَّنَا فوق السُّهى ونظامَهُ
وهو المجَلّي بالفَعالِ وهكذا
تَلْقى على مرِّ العصورِ عظامَهُ
حُرٌّ .. أبيٌّ مؤمِن برسالةِ العيش
الكريمِ ولا يُطيقُ حَرامَهُ
عَشِقَ الأصالَةَ لم يَحِدْ عنْ دربِها
وبأوْجُهِ الدُّخلاءِ سَلَّ حُسامَهُ
لِتَكُنْ ذُرى البلقاءِ تلك مقرّهُ
ففقيدنا منها استقى إقْدامَهُ
حسني فريزٌ كان عنوان الإبا
وعلى جَنانِ البأسِ شدَّ حِزامَهُ
رجُلٌ إذا أبدى الزّمانُ نيوبَهُ
كان الصَّبورَ .. أخا المضاءِ هُمامَهُ
فذٌّ إداريٌّ شُجاعٌ عادِلٌ
في الحقِّ لا يخشى قويّاً لامَهُ
عشقَ المعاني السّامياتِ
وكانت المُثُلُ الرّفيعَةُ راحَهُ ومُدامَهُ
لا خيرَ في جاهِ الحياةِ ومالِها
إنْ لم يكُ الشّرفُ الرّفيعِ قَوامَهُ
يا شاعرَ الحُبّ الكبيرَ وأنتَ مَنْ
للحُبِّ عاشَ وقد وعى أحْكامَهُ
الحبُّ لولا سحرُهُ ورواؤُهُ
ما فتّحَ الزّهر النّديْ أكمامَهُ
لو جسّدَ الكونُ الحياةَ محبّةً
ما جرَّحَتْ دامي الحروبِ سلامَهُ
للهِ للوطنِ الذي أحبَبْتَهُ
أعطيتَ ما ملَكَتْ يداكَ زِمامَهُ
أأبا نَوَارٍ قَرَّ عيناً إنّ ما
أغْنَيْتَ فيهِ الفنَّ بلَّ أُوامَهُ
ما صُغْتَ مِنْ أدَبٍ وشعرٍ رائعٍ
أضحى على صدرِ التّراثِ وِسامَهُ
طُلاّبُكَ الصِّيدُ الأماجِدُ في الحِمى
صاروا مشاعِلَهُ .. غَدَوْا حُكّامَهُ
يحذون حذْوَكَ في التّفاني والعطا
فالشِّبْلُ يتبعُ في الخُطى ضِرغامَهُ
سيظلُّ ذِكْرُكَ خالِداً في موطني
ما ذهَّبَتْ شمسُ الضُّحى آجامَهُ
فاهْنَأ جوارَ المبدعين بعالمٍ
في ساحِهِ نَصَبَ الخلودُ خيامَهُ
عمان عروسنا الجميلة الخالدة
شعر سليمان المشّيني
عمانُ يا عَروسَنا الأَصيلَهْ ... يا بَسْمةً على فَم الطُفولَهْ
يا دارةَ الرُواءِ منذُ كانتْ ... وَقمةَ الجَمالِ والفَضيلَهْ
الكِبْرُ والشُموخُ في رُباهاْ ... والمجدُ يَمْشي ساحِباً ذُيولَهْ
والفنُ لما حُسْنُها تجلّى ... أهْدى إليها طائعاً إِكْليلَهْ
كم شاعِر في حسنها تَغّنى ... وثغْرها كم أشتهى تقبيلَهْ
في كل شِبر من ثراها تقرا ... سطراً من الكفاحِ والرجولهْ
آثارها الغَراءُ تُنبي عنها ... بأنَها لسؤْددٍ سَليلَهْ
تستقبل الأضيافَ بابتهاج ... كما يلاقي ذو الندى نَزيلَهْ
لم يَدْنُ من حياضها عَدوٌ ... إلاَّ وعادت جُنْدهُ ذليلَهْ
عمان يا حمىً يَضوعُ طيبا ... لم نَلْقَ في كلِ الدُنى مَثيلَهْ
جبالُكِ الشّماءُ صُنوُ دِرْعٍ ... يَقيك شرَّ الأعينِ الدخيلهْ
صباحُك الذي يشْع نورا ... تُحيي الورى انسامُه العليلهْ
خريفُك البَهيُّ نَبْعُ خيرٍ ... يَفيضُ في ربوعك الظليلهْ
شتاؤكِ اللطيف فيه يحلو ... الجلوسُ والكانون والأَرْجيلَهْ
ربيعُك الفتانُ أي رَوْضٍ ... يزدان في ازهارهِ الجميلَه
وصيفُك البديعُ فَصْلُ سِحْرٍ ... كم يشتهي سُمّارنا حُلولَهْ
وماؤك الذي جرى نميرا ... يستشعر الظِّماءُ سَلْسبيلَهْ
في ظلّك التاريخ عاش طفلا ... يمشي خُطىً وئيدةً ثقيله
حضارة الانسان فِيكِ صيغت ... مِنْكِ استقى الدروسَ والأمثولَهْ
عمان يا أُهزوجةَ النشامى ... فريدةَ الأوزانِ والتَفْعيلَهْ
لا زِلْتِ صرحَ العِزّ والمعالي ... ورايةً نَزْهو بها جَليلَهْ
أحدث قصيدة للشاعر الأديب سليمان المشيني ألقاها لأول مرة بمناسبة تكريمه في مسقط رأسه
السّلط
وقافيةٍ فذّةٍ حرّةٍ من الشعر..ما صُغْتُ أمثالَها
شَرودٍ تَلمّعُ في الخافِقََيْنِ إذا ذُكِرَتْ..قيلَ مَنْ قالها
بأغلى اللآلىءَ زيّنْتُها إلى ربّةِ الحُسْنِ تُهْدَى لها
فقدْ تُوِّجَتْ بالجمال الذي يَشعُّ الحياةَ وَسَيّالَها
لها طَلْعَةٌ كانبثاقِ الصّباحِ يُزيلُ عن الرّوحِ أثقالَها
وَعَيْناها عَيْنا رشا فاتنٍ وأُمُّ البها طَرّزَتْ شالَها
إذا بَسَمَتْ هَلَّ وجهُ الرّبيعِ وأَنْشَدَتِ الطّيْرُ مَوّالَها
وَإِنْ لامَسَتْ صخرَةً كُهْرِبَتْ وَأَجْرَتْ من الصخرِ سَلْسَالَها
فَمِلْكُ يديها الرّواء الذي يعيشُ يُقَبِّلُ أظْلالَها
عَشِقْتُ صَباها وأجواءَها كَذاكَ ضُحاها وآصالَها
وأروعُ شعري غنّيتُها وأبذُلُ روحيَ "كُرْمالَها"
تُرَى هَلْ عرفتُم فيمَنْ أَهيمُ ومَنْ تعشقُ الرّوحُ صُنْواً لَها
هي السّلطُ دار الخلودِ المقيمِ وحقُّ الوفا يَقْضي إجلالَها
فَما أَنْجَبَتْ غير شُمِّ الأُنوفِ كما تُنْجِب الأسْدُ أشْبالَها
إذا ما المعالي دَعَتْ ولْدَها تنادَوْا يُلَبّونَ تَسْآلَهَا
ووحدَةُ أمّتِنا همُّها لِتَحْيا وتُصْلِح أحْوالَها
تَسامَتْ بأمْسٍ شَذيّ السّنا وكان النّدى أبَداً خالَها
وتبقى من الأرْدُنِ المُفْتَدَى مَعينَ الحياةِ وشَلالَهَا
وطابَتْ ثَرَىً بالليوثِ الأُلى دِماهُم تُعَطّر صَلْصَالَها
فماذا أقولُ بها مِنْ ثَنا ويستبِقُ الفعلُ أقوالَها
عليها من الخُلْدِ تعويذَةُ ألَحّ الزّمانُ فما زالَها
وعطّرَها العِلْمُ في عِطْرِهِ وحَلّى يديْها وأحْجالَها
فدارُ المعارِفِ كانت بها ولا يُنْكِرُ العلمُ أفْضالَها
وقلْعتُها عنْ بطولاتِها تُحَدّثُ بالفخر أجْيالَها
وكيف الحُماةُ استماتوا فِدىً فقد خلّدَ الدّهْرُ أبْطالَها
وواديها للفنّ فردوسُهُ وللنفسِ يبعثُ آمالَها
وللشعر يوحي القوافي التي تجيء تجرجرُ أذيالَها
وقد حَمَلَت طيّ أحشائها نديّ المعاني وإخْضالَها
فيا سلطُ عفوَكِ ماذا أقولُ بِمَنْ طرّزَ المجدُ سِرْبالَها
وقد أصبحَتْ موئلاً للعلاءِ على النجمِ تسحبُ أذيالَها
ولو لم تكوني أعزَّ حمى لَزُلْزِلَت الأرضُ زِلْزالَها
الأردن أولاً
هذا الحمى الحبيب - الهاشميّ المهيب
أردنُّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعمل
أردنّ فجرنا أردن بدرنا
أردن رسمه سُكْناهُ صدرنا
كي يبقى عامرا ... للحق ناصرا للظلم قاهرا...حرا وظافرا
هذا الحمى الحبيب الهاشمي المهيبْ
فردوسنا الخصيب تهفو له القلوبْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
يا صانع الجُلّى يا قلعة الحشدِ
للوحدة الكبرى عِشْ خافق البندِ
يا كعبة الخلدِ يا غابة الأسْدِ
جدّدْ لنا الماضي بالبذل والجهدِ
الروح كم تهواكْ...فالسحر في مغناكْ... آسادنا ترعاكْ
تُعلي صروح بناكْ
نشيد لكَ المجد والسؤددا
لتزحم راياتِكَ الفرقدا
نموت ونحيا لكي تَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
أردنّ أوّلا أردنّ في المقلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
تاريخُكَ الوضّاءْ أمجادُكَ الغرّاءْ
آثارُكَ الشمّاءْ تدعونا للعلياءْ
بتراؤنا تروي انّا من الصخرِ
شيّدنا مملكة بالبأس والصبرِ
فلنمضِ يا أبطالْ...قدما بدون كلالْ...من يسعَ نحو كمالْ
لَمْ يلتفِتْ لِمُحالْ
أردنّ أوّلا نعطيه ما يشاءْ
الحب والولا والروح والدماءْ
نشيد له المجد والسؤددا
لتزحم راياته الفرقدا
نموت ونحيا لكي يَخْلُدا
وصوت التحدّي عميق الصدى
أردنّ أوّلا أردنّ في المُقَلْ
نبني له العلى بالعلم والعملْ
كي يبقى عامرا للحق ناصرا
للظلم قاهرا حرا وظافرا
أردنّ أولا...أردنّ أوّلا...
*************
هذه الدالية الأردنية الأصيلة
في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي اجتاحت حشرة «الفلكسرا» كروم السلط التاريخية واخذت في طريقها ما اخذت منها، غير ان جذورا لدوال بعينها استطاعت بعتقها وأصالتها ان تصمد في وجه الآفة الغازية فراحت هذه الجذور تتمترس بين صخور البلقاء وترابها الصلصالي للتناسل منها جذور متجددة لدوال أردنية لها ارسان مثل ارسان الخيول الأصيلة، وما الشاعر الأردني الأستاذ سليمان المشيني الا واحدة من هذه الدوالي المخضوضرة الاوراق والدانية القطوف والحانية على عرائشها.
ففي عمق تراب الأردن نبتت شاعرية المشيني، وفي مدى فضائه الرحب تناغمت اوزانه مع قوافيه، ولا احسب بيتا واحدا من شعره الا ومسكوبة حروفه من قارورة طافحة بالمشاعر الأردنية الصادقة بانتمائها والنقية بهويتها والوفية لعروبتها، فما كان يوما الا متوحدا مع تراب بلاده ومسكونا بقضايا امته وفي طليعتها قضية فلسطين التي افرد لها دواوين كاملة من الشعر آخرها ديوان بعنوان «بطاقة حب الى فلسطين الخالدة» والذي حظيت قبل ايام باستلام نسخة منه الى جانب ديوان آخر بعنوان «الأردن جلال وجمال»، ويشكل الديوانان الجزءين السابع والثامن من السلسلة الشعرية المشينية المسماة بمجموعها «صبا من الأردن»، وما هذه السلسلة البالغة اثني عشر جزءا إلا باقة في سلة أدبية كبيرة ومتنوعة قوامها روايات ومسرحيات ومخطوطات وأغان وطنية كثيرة وغنية بمضامينها الجميلة، ولقد سبق وان تعطر بها الأثير الأردني عبر سنوات عديدة من الابداع المشيني المتميز.
وبالقدر الذي سعدت فيه بديواني الاخ والصديق الاستاذ سليمان المشيني، فقد اشعلا ذاكرتي بالوجد والحنين الى تلك الايام التي كنت لا أزال فيها صبيا يافعا عندما كنت اصغي الى الناس في دواوين السلط وهم يتحدثون بفخر عن فتى مشيني نابغ في الشعر وقف بين يدي المغفور له الملك المؤسس طيب الله ثراه ليلقي امامه قصيدة نالت اعجابه واستحسانه، ليصعد بعدها اسم المشيني ويأخذ موقعه في وجدان متذوقي الشعر في بلده، وليلفت انتباه الصف الاول من شعراء الأردن بمن فيهم شاعر الأردن الكبير المرحوم عبدالمنعم الرفاعي الذي قال في كلمة قدم بها ديوان المشيني الاول:«اما شعرك ـ ويقصد الشاعر المشيني ـ فلقد خلوت اليه ساعات وساعات، تارة اسمو معه في خياله، وطورا اهتز معه في عاطفته، ثم استعذب منه تلك الحلاوة في اللفظ والدقة في السبك، وارتاح لهذا الشعر الجميل الذي سيرتاح إليه الناس حين تؤذن شمسه بالطلوع».
لقد طلعت شمس المشيني ذات يوم وما زالت رأد الضحى تختال بضيائها الساطعة، فبالرغم من اننا واياه امسينا ندب على عتبات خريف العمر إلا ان ربيع أبي إبراهيم الشعري ما زال في أوج اخضراره.
لقد أحب المشيني وطنه، واعطاه فأجزل في العطاء، لكنه ما انتظر يوما حمدا ولا شكورا، وما شعر بالغبن ولا بالاحباط، وظل صامدا وقويا حتى في اللحظات التي فقد فيها اعز الغوالي من أهل بيته وعزاؤه ان الأردنيين كلهم اهله، وبهم تطيب الحياة ويزهو الوطن الذي ظل يتغنى به ويقول:
وطني الأردن يا دنيا جمال وجلال
أنت تحيا في كياني وجناني وخيالي.
سليمان المشيني هذه القامة الابداعية العالية
بقلم هاشم القضاة
كان سبتا نهاره طويل، ذلك الذي انتظر فيه السلطيون ببالغ الشوق غُرّة تلك الليلة الجميلة التي اطل فيها ابنها الوفي، الشاعر الاردني الكبير الاستاذ سليمان المشيني من على منبر المدينة العالي ليحيي اهله ومحبيه، وليجزل الشكر للجموع التي توافدت على ''دار الندوة'' في بلدية السلط لتكرّم واحدا من احب ابنائها واغلاهم، يومها كنت اجلس في آخر مقعد من القاعة، ورغم اعتلال سمعي وبصري وبعدي عن منصة الاحتفال، الا انه كان بمقدوري ان استشرف على البعد طلعته البهية، وان اسمع صوته الهادر الذي أعادني الى تلك السنين التي طالما اعتلى فيها شاعرنا منابر السلط خطيبا مفوها وشاعرا مجليا، فالقامة التي بدت لنا في الماضي مثل الرمح العالي ما زالت هي القامة، والوجه الطافح بالنور والبشر ما زال هو الوجه، والعرنين الأشم الذي حلّق بصاحبه في سماء العفة والكبرياء الوطني ما زال هو العرنين.
كان لقاءً متميزاً جمع الحبيب بأهله، والأهل بحبيبهم، حتى اذا انشد المشيني قائلاً:
فيا سلطْ عفوكِ ماذا أقَولُ بمن طرّز المجدُ سربالها
فلو لم تكوني أَعزَّ حِمَىً لزُلزِلتْ الأرضُ زلزالها
حتى اذا انشد ذلك رأيت دموع الوجد والحب تفيض من عيون الكثيرين فتندفع الأيدي لتحتضن صدر هذا الشاعر الجامح في ميادين الابداع لسنين طويلة تقاعدت فيها الجيادُ وما تقاعدَ جوادنا عن الطراد.
لقد احسنت جمعية السلط الخيرية ومعها شقيقاتها من مؤسسات المجتمع المدني، احسنت صنعاً واجادت عندما كرّمت المشيني في تلك الليلة المشهودة التي انتدى فيها ستة من الاساتذة الكبار الذين انصفوا المشيني الشاعر والناثر وكاتب الاغنية المتميز، ولربما تأخرت المدينة بهذا التكريم، فما ادركت ابنها الغالي الا بعد ان ملأ الدنيا ابداعاً وجبل تراب وطنه بالمشاعر المتأججة في صدر شاعر اردني اصيل، شاعر ما شرَّق بقلمه يوما ولا غرَّب، وظلت قريحته مثل ماء الجادور النقي ونبع حزّير الصافي فما رأيناه الا كمهر صنابي يصهل في حومات الوعي، او كسيف جراز اصليت تتكسر على شفرتيه سيوف الشر الغادرة.
لقد احب السلطيون ابنهم وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا ان صدره مفعم بحب الوطن الغالي الذي يقول فيه:
أُرُدُنّ يا غابَ الليوثِ ومهدَها يا حِصنَ كلِّ مجاهدٍ رئبالِ
لمْ يبقَ شبرٌ فيكَ إلا صغتُ في آثاره العظمى بديع خيالي
ستظل مرفوع الجبين ممجداً فوق الجميع وشامخاً متعالي
لقد كرمت السلط المشيني وهي تعلم انه ما انتظر هذا التكريم في يوم من الايام لاعتقاده بانه مهما قدم للوطن لن يفي الا بجزء صغير مما يقدمه الوطن لابنائه، وهذه شيمة الاردنيين الاوفياء، وهي الشيمة التي تجعلنا متعشمين ان الوطن بكل مؤسساته سيبادر هذه المرة للاحتفاء بهذا الشاعر الاردني الوفي، ولربما يكون العام القادم الذي يبلغ فيه المشيني عامه الثمانين هو الوقت المناسب لان يهب الأردنيون جميعا لتكريم شاعرهم، وما من شك ان كُرّةَ المبادرة باتت في مرمى وزارة الثقافة ومعها كل المؤسسات المعنية بالابداع الثقافي، وكلنا أمل ان تغيب شمس هذا العام لتشرق شمس العام القادم على الشاعر الاردني سليمان المشيني وهو مزفوف ومحفوف بقلوب الاردنيين، فأحلى العرسان عريس يُزَفُّ وهو في سن الثمانين، ولكنها هذه المرة زفة الابداع والمبدعين.
تحية عيد الميلاد المجيد
شعر سليمان المشّيني
غَنِّ للعيدِ غناءً مُلْهَما
وَاكْسُ بالدُّرِّ النَّضيدِ الكَلِما
وانْتَقِ الماسَ تُحَيّي مَنْ لَهُ
تَبْسِمُ الدنيا وَتَشْدو نَغَما
هاتِ أسْمى الشِّعْرِ في عيدٍ بهِ
يزدهي العالَمُ أرْضاً وَسَما
عيدِ ميلادِ المسيحِ المُرْتَجى
فتّحَ الوردُ لَهُ مُبْتَسِما
كانَ إشْراقُهُ يوماً خالداً
حقّقَ الإنسانُ فيهِ الحُلُما
أغْنى كلَّ الأرضِ نوراً وَسَنا
ومروءآتٍ ففاضَتْ نِعَما
قادَها كي تتّقي ربَّ الورى
بِعِظاتٍ بَزَّ فيها الحُكَما
فَلْنُحَيّي اليومَ بالإجلالِ مَنْ
حاربَ الشيطانَ حتّى هُزِما
واجَهَ الشرَّ بِصِدْقٍ وَمَضا
وقِوى الإفْكِ بِعَزْمٍ حَطّما
أبْعَدَ الإنسانَ عن نهجِ الخطا
عالجَ المُعْوَجَّ حتّى قُوِّما
كانتِ الدّنيا ضلالاً ودجىً
قبل أن يأتي وليلاً قاتِما
فأنارَ العَتْمَ في أنوارهِ
وغدا اليأسُ رجاءً خَيَّما
طوبى للمُسْتَضْعَفينَ الوُدَعا
والمساكينِ وَرَهْطِ الرُّحَما
والحِزانِ الفقراء البؤَسا
فَلَهُمْ صَرْحُ خلودٍ صُمِّما
دام صوتُ الحقِّ خَفّاقَ اللوا
نبذُلُ النّفْسَ ليعلو دائِما
وَلْتَعِشْ آياتُهُ مُشْرِقَةً
في جبينِ الأُفقِ تعْلو الأنْجُما
للإلَهِ المجدُ في عَلْيائِهِ
وعلى الأرضِ السلامُ ارْتَسَما
وسرورٌ غامِرٌ وَجْهَ الدُّنى
مِنْ سَنا الميلادِ يَمْحو الظُّلَمَا
نحنُ للأردنِّ جُنْدٌ مُخْلِصٌ
نحفَظُ العهدَ ونَرْعى الذِّمَما
ولقد أقْسَمْنا نَحْمي عَرْشَهُ
نُرْخِصُ الّروحَ فِداهُ والدِّما
سليمان المشيني