بعدَ توالي كهنة الرعايا الثلاثةَ الأوائِل؛ البدوي الأب بولس، وضعيف القلب الأب سارينا، والرجلُ القوي الأب بيفير، وصلَ إلى مادبا مُرسَلٌ عظيم الشأن، رجلٌ كامل الأوصاف، كانت مادبا بحاجةٍ إليه حتى تستقرَّ نهائياً. هذا المُرسل هو الأب يوسف منفريدي، رجلُ الله، الذكي، الشجاع، الفَطِن، المثَقَّف، حتى أنه كانَ عالمَ آثارٍ حقيقي. قامَ بإنجازِ عمل البناء الذي بدأه الأب بيفير، وقد جهّزَ الرعية بكنيسةٍ صغيرةٍ مُعتبَرة، وثبَّتَ راهبات الوردية، وعملَ على تربيةِ مسيحيينَ صالحين من أغلبية المؤمنين. ولكنه وقعَ مثلَ الأب بيفير تحتَ هجمات الحمايدة وبني صخر، الذين كانوا يهدّدونَ وجودَ مادبا.
إستعدادِ المُرسَل:
ولدَ في مدينة ماندوفي Mondovi في مقاطعة البيمونتى Piemonte،في ايطاليا في السابع والعشرين من شهرِ أيار لعامِ 1863، من عائلةٍ مسيحية. كانَ والده يملك مصنعاً مهماً، وقد ورثَ عنه قوةَ الشخصية وكفاءة العمل العالية، مع رهافة الحِس والمودّة التي كسبهما من والدته. وبخلاف الأب بيفير الذي كانَ فيما سبق صبياً وشاباَ مشاغباً، كان يوسف منفريدي ولداً تقيّاً هادئاً تربّى على النعومةِ والدراسة، دونَ أيِّ شعورٍ بالغرور بسبب وضعِ عائلته الاجتماعي. استغرب والداه عندما أعرب لهما عن دعوته الارسالية في نهاية فترة الاكليريكية الكبرى. وإذا كانَ الأسقفُ قد رضيَ بذلك بسرعة، فانَّ اباهُ قد خضع للأمر بصعوبة، نزولاً عندَ إلحاحاتِهِ المستمرة.
في الرابع من شهر تشرينَ الأول عامَ 1886 دخلَ معهدَ Brignole-Sale في Gênes للارساليات الأجنبية. وقد افتُتِحَ هذا المعهد في الحادي عشر من شباط عامَ 1855 تحتَ رعاية رئيس أساقفة Chervaz، سيادة المطران Dupanloup، والمرافقين؛ أسقف Orléans والسيد اسطفانوس، الرئيس العام لرهبنة العازريين، الذين وصلوا إلى Gênes أثناءَ حياةِ القديس منصور ده بول.
كانت هذه المؤسسة منبتاً لأوائل المُرسلين الايطاليين للبطريركية اللاتينية. حيثُ وجدَ فيها البطريرك فاليركا عام 1858 الأب Uhlenbrock، الألماني الذي توفي كاهن رعية الطيبة، والأب بلّوني Belloni عام 1859؛ وفي عام 1860 الأب منصور براكّو الذي أصبح أسقفا مساعداً له على عمر الحادية والثلاثين والذي سوف يخلفه فيما بعد كبطريرك عام 1873؛ والأب Gatti عام 1865 كاهن رعية السلط فيما بعد؛ والأب Piccardo عام 1870؛ والأب Villanis و Navoni عام 1874 والأب Garello عام 1895.
وكما هي الحال بالنسبةِ لأسلافه الأجانب، أمضى الأب منفريدي بِضعَةَ اشهرٍ في المعهد الاكليريكي البطريركي لدراسة اللغةَ العربية، ثم مارس ما تعلّمه عندما تعيّن مساعِداً عند الأب لويس بيكاردو Louis Piccardo، كاهن السلط الذي سيصبح أسقفاً مساعداً من عام 1902 إلى عام 1917. وقد امضى ستّةَ عشرَ شهراً في مدرسةِ هذا المرسل القوي الفطِن، في الرعية الأم لشرق الأردن التي افتُتِحَت في عام 1866. فقد كانت السلط هي العاصمة الادارية زمن الحكم التركي في شرق الأردن وخاصةً في البلقاء، وكان مركز القائمقام والمحافظ التابع آنذاك لباشا نابلس. في السلط، تعلّمَ الاب يوسف أصول التعامل مع الادراة التركية واكتشف أهمية البخشيش من أعلى السلّم التركي إلى اسفله.
كاهن رعية في مادبا عام 1891
وصل الأب منفريدي إلى مادبا في 17 كانون الثاني 1891. وكانَ الأب بيفير في انتظاره لكي يسلّمه مهامه ويقدّمه إلى شخصيات الرعية الصعبين: شيخ العزيزات صالح مرار، والمختار يعقوب الشويحات، والشاب ذا الطبع الناري ابراهيم الطوال، والذي توصّلَ في النهاية الى تهدئته.
اصطحبَ الأب بيفير معه إلى الطابغة، شمالَ بحيرة طبريا، صديقَه العزيز السيد يوسف ويناند، الذي كان قد ساعده كثيراً في مصاعبه الماديةٍ الجمّة. غادرَ الاثنان الى الطابغة بحثاً عن مكان أكثرَ هدوءاً، وأقلّ عملاً، وأكثر رحمة في فصل الشتاءٍ. لكنَّ بدو الجليل، وموظفي المقاطعة الأتراك، وفصل الصيف الرطب وخطر الملاريا الذي كانوا يهربون منه إلى الرامة، كل ذلك انهك صحّتهما.
وفي المقابل، فانّ الأشهرَ التي قضاها الأب منفريدي في السلط، وما كانَ يسمعه عن مادبا، أعطته فكرة واضحة عما كان ينتظره فيها. مانَ مستعداً لذلك، كما نقرأ في رسالةٍ بعثها إلى أخيه الذي أبلغَه عن زواجه في اللحظةِ التي كان يكتبُ فيها رسالَتَه.
" وأنا ايضاً أتزوج. وإن أردت أن تعرف اسم عروستي، فهو مادبا. لا أعرفها بعد وهي تبعُدُ عن السلط مسيرة يومٍ على الحِصان. أعرف من سُمعتها أنها صعبة. عليَّ أن أذهب إليها في بدايةِ شهر تشرين الثاني. مادبا الآن في حالةِ حربٍ معَ إحدى القبائل المجاورة؛ وما كاد السِلمُ ينتهي، حتي اندلعت حرب أخرى مع قبيلة تريد الأخذ بالثأر. لذا طُلِبَ مني الآن أن لا أتحرك.
وبالرغم من كلِّ ذلك، فأنا احبُّ رعيتي مادبا... ما الذي تخبئهُ لي؟ عالَماً كاملاً من البؤس المادي والأخلاقي… وماذا أحملُ أنا لها؟ كمّاً كبيراً من الصبر والمحبةِ المسيحية التي تجعلُ المُرّ حلواً، والحِمْلٍ الثقيلٍ خفيفاً ومحبوبا، والألمً – حتى الموت – أمراً مرغوباً في سبيل المؤمنين. مادبا قرية في وسط الصحراء، تحيط بها قبائل بدوية غير متحضّرة. لذا، مادبا رعية صعبة وقاسية… اما انا فسأواجه الصعوباتَ بايمان. لم أرغبُ يوماً إلاّ في بذلِ آخرِ نقطةٍ من دمي في سبيلها. ولكنَّ الشهادةَ نعمةٌ عظيمةٌ لا يمنحها الله إلاّ للقديسين!".
وجد الأب منفريدي في مادبا الأب اسكندَر، الذي ترك الكرك بسبب أوضاع لم تعد تطاق. وكان حضوره مفيدا جداً لمساعدة الاب يوسف في تبشير ابناء الرعية بشكل جدي. وكما كانت الحال عند وصول الأب بيفير عامَ 1886، وجدَ الاب يوسف منفريدي مادبا مليئة بالغليان القبلي.
حرب البلقاوية في عام 1891
سنة 1891 دارت الحرب بين قبائل الحمايدة والعدوان، جنوبي مادبا. وجدت مادبا نفسها وسط الحرب رغماً عنها.
في شهر نيسان، كتب المُرسَلُ يتذمّر من وضع الحربِ هذا ومن عدم قدرته على استقبال ضيوفه المُزعجين، شيوخِ قبائلِ البلقاء:
" نحن الآن في فترةُ حربٍ دائمة بينَ قبيلتين، معَ ما يتبع ذلك عادة من نهب وسلب، علاوةً على الجرحى والقتلى. انَّ حِقدَ المسلمين على المسيحيين يجعلَ حياةَ مسيحيي مادبا صعبةً جداً وغيرَ آمنة. فقبل يومين، قتل شخصٍ أرثوذوكسيّ بدوياً كان قد أثاره، وأوشك ذلك على وضعَ وجودَ مادبا في خطر.
وبهذه المناسبة اجتمعَ عندي شيوخُ قبائل البلقاء (الأمر الذي كلَّفني 6 ليرات مجيدي، ومن الممكن أن يكونَ ثمنَ استقبالِ الناس أكثرَ من ذلك). تحقّقتُ حينها من نقصٍ خطيرٍ في دير الكاهن. فلم يكن في ممرِ الديوان إلاّ مقعدٌ واحد، يتَّسِعُ لثلاثةِ اشخاصٍ فقط ولم يكن في البيت إلاّ أربعةُ مقاعدَ ليست صالحة. لذا جلس الشيوخَ على الأرض دونَ سجادٍ ولا حصيرة. لهذا السبب أطلبَ منكم أن تؤمّن لي البطريركية أربعةَ مقاعدَ طويلة (دونِ ظهر، إثنانِ منهم بمقاس 54و2متر، واثنان بمقاس 35و1متر، بعرض 30 سنتمتر، على أن يكونَ ذلك مجانا، لأنَّ راتبَ الأشهر الثلاثة قد نفذَ".
موضوع الأراضي
في فترة غاب فيها البطريرك بيافي Piavi، توجّهَ الاب منفريدي في نيسان 1891 إلى مساعده، المونسنيور أبوديا Pascal Appodia، الذي كرّسه البطريرك أسقفاً في 8 آذار السابق، قبلَ مغادرته. تكلّمَ المُرسَلُ في رسالته عن العوائق الكبيرة التي تسبّبها أراضي الرعية، مع أن حدودها كانت واضحة منذ زمن الأب بيفير. وتطرّقَ إلى موضوع المقبرة الواقعة غربَ التلّة، حيثُ شيدَت أبنية الرعية، والى أرض الحِنو على بعدِ نصفِ كيلومتر إلى الجنوب الشرقي، وإلى أرض جِلول في الشرق، وأرض التيم في الجنوب الغربي وحنينا في الشمال.
كان أمرُ تأجيرِ تلك الأراضي إلى أهالي مادبا مصدرَ إزعاجٍ مستمرٍ للمُرسَل. طالب الأب منفريدي بحلًّ يريحه من المسؤوليات المادية ويسمح له بالتفرّغِ الكامل لأمور الرعية. ولمّا لم يكن للأب منفريدي مساعداً كما كان السيد فينانت للأب بيفير، فقد طلب تسليم الادارة إلى رجلٍ ثقة ترسله البطريركية.
وفي أثناء ذلك أجِّر، وفق اتِّفاقيةٍ رسمية، لشخصين مهمّين هما الشيخ صالح مرار والمختارُ يعقوب الشويحات، والذين انضمّ اليهم فيما بعد المقاتل الشرس ابراهيم الطوال، أرضَ التيم بـ 100 مجيدي لكلِّ سنتين، وذلك لينتهي من الضغوطات المزعجة لشيخ الحمايدة قفطان:
"في السنتين الماضيتين حصّلت بصعوبة 60 مجيدي بعد تعب ووجعِ رأس أثمن من جميع النقود. ثم أن هنالك الشيخ قفطان المزعج الذي كلّفنا السنة الماضية 100 فرانك، والذي صادر هذه السنة محراثاً. يريد هذا البدوي بخشيشا سنويا، وهو لا يزال يهدّدُ ولا يكف عن إزعاجنا. وبتوكيل أرضِ التيم إلى عشيرة العزيزات، فهم يعرفون كيف يدافعون عن حدودها من البدو، فهم يقومون بذلك أفضلَ منا، وبهذا نكون قد تجنبنا المصاريفَ والمشاكِل".
ولكن كما قالَ الاب يوسف سابقا، فهو يريد حلاً جذريا لموضوع الأراضي كي يُحرِّرَ الرعية نهائيا من الهموم الزمنية.
بناء وعمار
شعر الاب منفريدي كما شعر قبله الأب بيفير، بالضيق في الكنيسةِ الصغيرة الأولى التي بناها الأب بولس تحت الأرض، دون نوافذ سوى ثقوب ثلاثة مفتوحة على شكلِ هوّة في الشمال، والتي كان تهدد بالسقوط من كلِّ جانب. وقد وصفها وصفا دقيقا أتمّ به وصف الأب بيفير السابق. ولم يكن باستطاعة هذا الأخير إلاّ بناء الجناح الشرقي، وهو عبارة عن ثلاثِ غرفٍ وممر إلى الجهة الغربية، معَ غرفٍ أرضية في السفل لدعمِ أساس الغرف العُليا. ولكنَّ الاب بيفيرلم يكن لديه الوقت الكافي لتبليط السطح.
وتبعاً لمخطّط الأب باربيرس Barberis، مهندس البطريركية، فقد ارادَ الأب منفريدي ايضاً بناءَ غرفتين غرب الممر، ومن ثمَّ بناءَ كنيسةٍ صغيرة، واسعةٍ ومقبولة، تشكِّل جناحاً غربيا للدير. اراد بناءَ غرفتين مُقبَّبتين؛ وعندَ الحصول على الرخصة الضرورية لبناءِ مكانٍ للعبادة، فانه سيكون من السهل ضَمّ الغرفتين وجعلهما كنيسةِ، في انتظارِ بناءِ كنيسةٍ رسمية.
في شباط 1892، وفي انتظارِ عودةِ البطريرك، ألحَّ الأب منفريدي على المونسنيور أبّوديا Appodia لانجازِ عملِ الأب بيفير، أي السطح والجدران، وخصوصاً لبناء الغرفتين الواسعتين المُقبَّبتين للكنيسة الصغيرة. وكان يُعطي لذلك خمسةَ اسباب:
"السبب القوي هو سهولة البناء الآن، في بلد ما زالت دون قانون والتي تخضعُ اسميا فقط للدولةِ العثمانية. اما اذا دخل الاتراك مدينة الكرك كما تقول الاشاعات، فسنواجه المتاعب التي واجهناها في الحصن منذ سنوات. بالاضافةِ إلى ذلك، فإنَّ علاقتنا مع قائمَقام السلط جيدة، وسوف تزدادُ هذه العلاقةُ مع البخشيش. وعلينا ان نحصل الآن على رخصة البناء. من يعلم، بعد سنة، ما قد يحصلُ من تغييرات!
ثم أننا في هذه السنةِ نملك الماءَ اللازمَ للبناء. وقد تكونُ السنةُ القادمةُ جافةً مما يؤدي إلى دفعِ مصاريفٍ أكثر. وقد حصل هذا مع الأب بيفير إذ دفعَ 1000 فرانك زيادة.
أصبح ثمنَ الحجارةِ القديمة مرتفعا، لأن اهالي مادبا أصبحوا يستعملونها لبناءهم المتزايد يوماً بعدَ يوم. وان انتظرنا سنضطرّ الى شراء قطعة أرضٍ لكي نقيمَ عليها محجراً.
لقد آلَ بناءُ الأب بولس عام 1883 إلى السقوط. وقد اضطّررت الى إخراجُ البناتِ من صفوفهم خوفاً من انهيارها عليهنّ من الجوانب الثلاثة. لذلك لا بدّ من بناءُ صفوفٍ جديدة.
وبهذه المُناسبة يجب أن نُنهي سكنَ الكاهن الحالي والذي تركَه الاب بيفر غيرَ مكتمل، إذ لم يُبَلِّط السطح. وأنا على هذه الحال منذ أربعِ سنوات، الأمر الذي يُلحق الضرر بالبيت وساكنيه بسببِ الرطوبةِ الشديدة التي تخترقُ القُبَّة والجدران.
هذه، أيها المونسنيور، هي الأسباب التي جعلتني أطلبُ البناء، وفي هذه السنة إن أمكن".
عادَ بعدَ اسبوعٍ إلى الكلام عن نفس الموضوع بعد أن علم بعودة البطريرك. وقد طلب من الاسقف المساعد أن يدعمَ طلبه في البناء امامَ البطريرك Piavi. كما أخبرَ الأسقفَ أنَّ اصدقاءه المُحسنين الايطاليين الذين التمسَ منهم المساعدة، قد أمّنوا له 5000 فرانك، وصلَ منهم النصف، والنصفُ الآخركان في الطريق. وقدّرَ أنَّ إصلاحَ السطح وبناءَ الكنيسة سيصل الى 10000فرنك. وحَسَبَ أنَّ البطريرك سيزوِّده بـالـ5000 فرنك المتبقية. وان كان الجواب ايحابيا، فإنه سيقدم إلى القدس كي يدرسَ مشروعَ الكنيسةِ مع الأب Barberis.
في أيار أعاد الكرّة في الكلام عن بناء الكنيسة الضرورية. وقد نصحوه بالمُضيِّ قُدُماً مع الاذن الذي حصلَ عليه من الأب بيفير من قبل، مع العلم أنَّ البخشيش سيحلُّ كلَّ صعوبةٍ قد تظهر! كان يجب أن يسرع عليه في البدء في العمل، لأن الاشاعات كانت تتكلم عن إحتلالٍ تُركي وشيك للكرك.
ولكن في اللحظةِ التي كان فيها المُرسَلُ على وشك البدء بالبناء، هبّت عاصفةٌ مُروِعة، فقد شنِ بنو صخر على مادبا هجوما أشدَّ من هجوم سنة 1887، الأمر الذي هدّد الوجود المسيحي في مادبا.
نحوَ حصارٍ دامَ 35 يوماً:
في نهاية ربيع عام 1892، نصب عددٌ من الصخور خيامهِم ووضعوا جِمالهم بالقربِ من الأراضي المسيحية. حدثت مناوشات قبلية ظهر بنو صخر فيها مليئين عداوة وحقدا على مسيحيي مادبا. فعاملوهم بقسوةٍ وجرحوا الكثيرين منهم. وكانوا ينتظرون موسمَ الحصادِ كي يكشروا عن انيابيهم، عالمين أنهم بعيدون عن تدخُّلِ الأتراك، لأن هؤلاء كانوا بعيدين وكانوا بحاجةٍ إلى خدماتهم لقطع الصحراء أثناء رحلة الحج السنوية من دمشقَ إلى مكة.
إلاّ أنَّ بداية حربٍ جديدة، شبيه بتلك التي حصلت في حزيران عام 1887، حدثت في مادبا نفسها. فقد تشاجر شخصٌ من بني صخر من عائلة حامد في مع أحدِ أشخاصِ اللاتين اسمه جريس غيشان، والذي قالَ عنه كاهنَ الرعية أنّ الدين، بالنسبةِ له، يأتي في الدرجةِ الرابعة بعدَ فرسه ورُمحِه وبندقيتِه. وعندما هدّد الصخريُّ جريسَ بسيفِه، قام هذا الأخيرُ بالدفاعِ عن نفسه وأطلقِ نار البندقية عليه فأسقطه قتيلاً. كان ذلك نحوَ الساعة الثانيةِ بعدَ الظهر، وهو الوقت الذي كان فيه معظمُ رجال مادبا في الحصاد قُربَ التيم، قريباً من خيام عائلة حامد، لدرجةِ أنه
"لو لم يحمنا الله، لقامت مذبحة. فقبلَ وصولِ خبرِ القتلِ إلى بني صخر، كان المسيحييون قد عادوا بيوتهم.
وبعدَ مرورِ ساعةٍ أُعلنت الحربُ. كانت مادبا قد تسلّحت بانتظار الهجوم، بعدَ أن تم تأمين الأطفالِ في الدير الذي أصبح حصناً.
لكن الظاهر أنّ عائلة حامد الضعيفة لم تستطع تجميع باقي عائلات بني صخر؛ لذا يكن أمامهم إلاّ مهاجمتنا منعزلين. فكانوا يجولون في السهل، يطلقون الرصاص بدونِ نتيجة. حاولَ بنو حامد المُخيّمون في التيم إشعالَ النيرانِ في محاصيلِنا، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك. إلاّ أنه عندَ هروبِ جماعتنا أصيبَ ستةُ رجالٍ إثرَ إطلاق النار، وترك آخرون ثيابهم أثناء الهرب. وعند غروب الشمس، ذُبِحَ ولدٌ مسلمٌ ظنّ المهاجمون انه مسيحي".
بدأ حصارُ مادبا. يوم الجمعة 10 حزيران، حاولَ شيوخ القبائل الصديقة للرعية عبثاً الحصول على العطوة المُتعارفُ عليها في حالة القتل. سُمح للمسيحيين أن يعمل العُمّال المسلمون في أراضيهم وقتَ المواسم، وكانت جمال بني صخر تسرح فيها وتمرح. وقد حدثَ بالصدفة أنّ ثُلّةً من الجنود أتوا السلط ولم يكونوا يعلمون شيئا عما حدث. لكنهم لم يجسروا على مواجهة بني صخر الذين طردوا- بخلاف وعدهم- الحصّادين المسلمين من اراضي المسيحيين. وطيلة يوم سبت، حال اغلاق المدينة دون إعلام السلط بما حدث. ولحسن الحظ تدخّل الشيخ طلال الفايز، زعيم بني صخر، وهو صديق الرعيّة:
"كان هذا أخ المرحوم الشيخ صطّام العدائي، وكان الرجل الوحيد اللطيف بين جميع النصّابين الذين يحملون لقب "شيخ"؛ وقد تسلّمَ لقبَ مدير، وكان يحظي بتقدير الحاكم. وبناء على مشورته، قامَ هذا الأخير بتحريك الامور وأرسلِ، عند الظهر، القاضي معَ بعضِ الأفنديين وخمسةً وعشرينَ جندياً. وقد أسكنتُ القاضي والموظفينَ عندنا آملاً في تقريبهم منا، ولكني أدركتُ لاحقاً أنهم كانوا مليئينَ كراهيةً للإسم المسيحي".
منذُ وصولهم للتحرّي عما حدث، كان جريس الغيشان قد هرب. استجوب الضُبّاطُ الجرحى واستشاطوا غضباً ضدَّ المسيحيين، وتحدّثوا عن تدميرِ مادبا التي قتلت إثنينِ من المسلمين: ذاك الذي قتله جريس الغيشان والشاب الذي قتله بنو صخر لانهم اعتقدوا انه مسيحي! وفي أثناء الاستجواب، سُمِعَت أصوات تدعو إلى التسلُّح وأصواتَ تراشقِ رصاص. جمَّعَ الضابطُ رجالَه المتفرقين، بنفخةِ بوق، مما أدّى إلى ابتعادِ المُهاجمين.
"في الليلةِ ذاتِها (ليلة السبت على الأحد)، وعلى بُعدِ مسافةٍ قليلة من مادبا، اتفق عدّةِ شيوخٍ من القبائل المجاورة، والذين أرفق إليكم لائحة بأسمائهم، وهم قُطّاعُ طرقِ مشهورون، وحرّضوا البدو ضِدّنا. وقد عقدوا الاتفاقَ على البقاءِ مُتَّحدينَ حتى إفناءِ المسيحيين"!
يومَ الاثنين الموافق 13 حزيران، تركَ القاضي والأفنديون والجنودُ مادبا لكي يواجهوا شيخَ بني حامد الذي كان قد رفضَ المجيء. وأثناء ذلك، وأمامَ عيونِ الجنود، سرق رجالُ هذا الشيخ خروفا من قطيعٍ من مادبا، وعندما طلبَ منهم القاضي إعادته، رفضوا وذبحه الشيخُ لاطعامِ زائريه!
ولمّا كان الأب منفريدي على يقينٍ من ضُعفِ الضُبّاط، ولما رأى أيضاً أنَّ بني صخرَ أخذوا قمحَ اهالي مادبا الذي كانوا قد أودعوه في المخازن- وهذه علامةٌ مقلقة - قرّرَ ان يتصرّف. أخذَ معه إثنين من أشهر الرماة وذهبَ متنكراً في زيِّ بدوي إلى خيمةِ صديقه الشيخ طلال. فأعطاه هذا واحداً من خدَمه ليرافقه عبرَ طُرقٍ ملتوية إلى السلط، حيثُ تشاورَ هناك مع الأب لويس كاهن الرعية والأب اسكندر الذي كان هناك هو ايضاً. وبغيرِ عِلمِ القائمقام، الذي لم يكن أحد يثق به، ارسل برقية إلى البطريرك والى قنصل فرنسا في دمشق، مشيراً إلى الخطر الشديد المُحدِق بمادبا، وطالباً النجدة. وعادَ بعدَ ذلك إلى مادبا من نفس الطريق الملتوية من الشرق وبمساعدة الشيخ طلال.
في مادبا، أدهش سفر الكاهن الضُبّاط الذين أرسلوا تقريراً إلى القائمقام، والذي كان قد علم بألامر بسبب التلغرافين الذين بعثهما المُرسَل إلى القدس ودمشق. فأرسلَ فيما بعد سبعةَ جنودٍ إلى مادبا لتعزيز القوة الموجودة التي لم تعمل شيئا، خوفاُ من خَيّالة البدو الذينَ كانوا يهددونهم، والذين كانوا يحتقرونهم ويُبغضونَهم كما كانوا يحتقرون المسيحيين. وكانوا يقفون بعيدين عن المدينة مسافة طلقة رصاص.
"في لحظة من اللحظات، قامَ خيّالان، والد القتيل وابنه – مع قتلة الولد المسلم الذي قُتل لانهم ظنّوا انه مسيحي- وذهبوا إلى الحصّادين يطلبونَ منهم إن كانوا مسيحيين أم مسلمين.- "نحن كلنا مُسلمون، أجابَ أحدهم"،لم يقتنع المهاجمون، وأجبروهم على خلع ملابسهم والكشف عن طهورِهِم. كان معهم شابٌ مسيحي من السلط عمره 27 سنة، سليم شتيني، الذي عندما سمع طلِبِ هؤلاء الغجر وإلحاحهم، شحُب لونه وسكت. وعندَ هذا الاعتراف الضِمني، صوّبَ إليه أحدُ البدو بندقيته وأسقطه ميتاً... حدثَ كلُّ ذلك أمامَ الجنودِ وأهالي مادبا، الذين حاولوا تهريبهم بإطلاق الرصاص في الهواء، لكن الجنودَ منعوهم من ذلك، وهم أنفسهم، رفضوا إطلاقَ النار قائلين : لم نتلقّ الأوامر! فصاحَ أحدُ الضُبّاط: أقسِمُ بالله أنَّ المسيحيين مُضطهَدون من قِبَلِ العرب (البدو) في الخارجِ، ومهضوموا الحقوق من قِبَلِ الأتراك في الداخلِ، ومذبوحونَ إن تركوا المدينة"!
يومَ الخميس 16 حزيران، أخبر القائمقام أنه ينوى القدوم الى مادبا. فذهبَ كلُّ ضُبَّاطِه ونصفُ جنوده لملاقاته في أم العمد. لكنه عند المساء، بدلاً من النزول في مادبا، توقف عندَ خيامِ صاحبه مناوِر في جلول، حيث كان يشعرَ بحرية أكبرَ للتعاملِ مع بني صخر. وفي هذه الأثناءِ، أمسك الجنودُ الذينَ بقوا في مادبا بأحدِ أعدائهم الرئيسيين، لكنهم ما لبثوا أن أطلقوا سبيله.
يومَ السبت 18 حزيران، وصلَ القائم مقام أخيراً إلى مادبا. وبدلاً من أن يقفَ ضدَّ بني صخرَ أصحابَه، أرسلَ في الثالث والعشرين من حزيران جنودَه لأخذ الضريبةَ من الحمايدة المتمرّدين. لكنَّ هذه العملية شكّلت خطرا على مسيحيي مادبا، لانه أجبر ثلاثةً منهم على قيادة الجنود. ولمّا لم يتمكّن هؤلاء من إستلامِ شيءٍ من الحمايدة، نهبوا الماعزِ والماشية. وفي طريق عودتهم هاجمهم 15 شخصاً من الحمايدة؛ وقد قُتِلَ أربعةٌ منهم وجنديّ في تلك الواقعة.
وفي نهاية شهرِ حزيران، وتحتَ ضغطِ وإلحاحِ البطريرك وقناصلة القدس ودمشق، قامَ متصرِّفُ حوران، وكان مسؤولاً آنذاك عن شرق الأردن وشمالها والبلقاء، بزيارة الى مادبا معَ خمسينَ جندياً وثلَّةٍ من 160 بدويا، كان على مادبا أن تستضيفهم مدة يومين.
"وما أن وصلِ، حتى أعلنَ أنه جاءَ فقط لانهاءِ مشكلةِ مادبا. لقد رأيتُ أنه جدّي وودود. كان ينوي أن يقبض على كلِّ رؤساءِ بني صخر. وقد أوقفَ بعضاً منهم ثمَّ أطلقَ سراحَهم آملاً أن يأتي الآخرون فيتسنّى له القبض عليهم جميعا. لكنَّ أحداً منهم لم يأت...
لم يكن لديه القوّة الكافية للحصول على تعويضات عن الخسائرِ التي عانت منها مادبا... كما كانت هنالك دائماً سياسة القائممقام صديقَ بني صخر. وهكذا بشكلٍ عام، لم يحصل شئ لمادبا، سوى هذا الاجتياح (من الضيوف) الذي أفرغَ ما بقي للمدينة من أرزاق"!
وفي تموز، استمرَّ حصارُ المدينة بالرغمِ من كلَّ الوعود المُخادعة التي أعطاها القائممقام.
"لم يكفَّ بنو صخر عن التجوالِ حولَ المدينة في انتظارِ خروجِ أحدِهم ليقتلوه. وبعدَ مرورِ خمسةِ ايام، قبضَ الجنودُ على أحدهم فاستولوا على بندقيتَه وتركوه بعدَما أبرحوه ضرباً. وبعدَ ذلك، أعلنَ مناوِر، سارِق الجلول، حرباً مفتوحة ونهبَ أفضلَ الخيول. وكان الحج مناوِر هذا صديقاً حميماً للقائممقام ولمحمد سعيد باشا ذلك الحج، وهو الذي أوكلَ إليه القائممقام ترتيب الوضع المتأزم، بينما كانَ لا يكفُّ عن إثارة الحرب مطبّقاً بذلك نوايا القائم مقام"!
في السابع من تموز، قُتل شخص مسلم آخر ظنّوه مسيحيا أيضا.
" علم بنو صخر أنَّ قافلةً من المسيحيين في طريقها من الكرك إلى مادبا، فأرسلوا 30 فارساً لملاقاتهم. وكانَ يسبقُ هذه القافلة خيّال، معَ بعضِ المُشاة. اقتربَ بنو صخرَ منه، وكانَ حسنَ الهندام، فظنّوا انه مسيحي من مادبا. وعندما طلبوا منه ما إذا كانَ مسيحياً، وجدَ السؤالَ غريباً فضحك، الأمر الذي فهم منه بنو صخر انه "نعم"، فقتلوه على الفور. إلاً أنه كانَ في الواقعِ مُسلِماً. اما بقيةُ القافلة فغيرت طريقِها.
غضب بنو صخرَ من غلطتهم الثالثة، وهاجموا قطيعاًٍمن الأغنام بالقربِ من مادبا، متأمّلين خروجَ أحدهم ليقتلوه. ولكنَّ الجنود هم الذينَ خرجوا بعددٍ قليل، ودون أمر باطلاقِ النار. فلما شاهدوا البدو يأخذونَ الأغنام عادوا الى اماكنهم. هذا هو ضمان محمد علي لنا!".
نهاية حِصار مادبا:
كانَ البطريرك بيافي Piavi على علمٍ بتفاصيل محنة مادبا. ولكونه كان قاصدا رسوليا في بيروت، كانت له علاقاتٌ جيدة مع السلطات التُركية، حتى انه حصل على وسام رفيع من السُلطان. فما لبثَ أن نبّهَ السلطات التركية الى الامر، وأوصله الى القسطنطينية. قامَ قنصلُ فرنسا Ledoulux في القدس و Guillois في دمشق بالتواسط عندَ والي دمشق، المُتعاطِف مع بني صخر، بسبب قوافل الحج التي تذهبُ إلى مكة والتي كان بنو صخر يرافقونها ويموِّنونها، من مزرِب في حوران وحتى معان. أخيراً جاءَ الأمرُ من السلطان نفسه بإنهاء المُشكلة، بسبب وقعِ وصدى مُشكلةِ مادبا في الرأي الأوروبي. الا ان السلطان لم يكن إلاّ عبد الحميد (1876-1909) المدعو بـ "السلطان الأحمر" والذي سبّب مجزرةِ الأرمن على يد الأكراد عام 1894 ومجددا 1896.
في 21 تموز أعلمَ الأب منفريدي البطريرك بنهاية الحصار الدرامي الذي دامَ 35 يوماً، والذي انتهى في 14 تموز:
"وأخيراً وصلَتنا مساعدة من عددٍ من الجنود المُحاربين... فقد قامَ السلطانُ نفسُه بارسالِ تلغرافٍ إلى الجنود في بيروت بهذا المعنى".
وكانَ يجب ان يصل غيرهم دمشق، الا ان ذلك لم يكن ضرورياً. فوصلَ القائممقام نفسه إلى مادبا، وكان قد طلبَ من بني صخر الابتعاد، فذهبوا إلى الشمال حولَ عَمّان، وقد اعتبروا حينئذ ان المعركة تأجلت فقط.
أدركَ الضابطُ أنَّ القائممقام كان يهتم فقط بأخذ الضرائب، دونَ الاكتراث بتاتاً بتعويض المسيحيين عما لحق بمحاصيلهم من خسارة. كما أدركَ أنَّ الباشا المسؤول عن الحج، محمد سعيد، كانَ ايضاً مهتماً بالحصول على رضى الشيخ مناوِر، تماماً كالقائممقام الذي كان يعطيه المثل في ذلك. فاكتفى هذا الضابط، يقول المُرسَل، بعملِ جرد لأراضي بني صخر وأراضى 30 موقع من الأراضي الخَرِبَة، أو الأطلال القديمة.
بقيت حاميةٌ عسكريةٌ صغيرة في مادبا. ومعَ إبعاد بني صخر، كان الأمرُ كافياً لاعادة السكينة والأمن إلى المدينة. ولكنَّ رئيسَ هؤلاء الجنود كان ضابطاً تركياً، يُدعى مصطفى، جاء من نابلس حيثُ كانَ منفياً فيها من القسطنطينية بسبب اقتحامه لسكن حريم السلطان وهو سكران! وقد اضطر المُرسَل، الذي قبلَ بتزويدَه بثلاثةِ سطولٍ من الماء في اليوم، الى أن يوَبِّخَه عندما رآه يأخذُ عشرينَ سطلا، ويهدد بتفريغ البئر من الماء. غضب الظابط وهدّد بأخذ من أراضي الارسالية على التلَّة وببناء ثَكنةٍ عسكريةٍ تركية عليها. فتوسلَ الأب منفريدي إلى البطريرك لكي يُصِرَّ على الحكومة في نابلس لتنقل هذا الثمِل الخطير.
خطوات فاشلة للحصول على تعويضات:
ضاع موسم عام 1892 بسبب حصارِ الثلاثينَ يوماً الذي عانت منه مادبا. وكان قد نما شئ قليل قبلَ حصار 9 حزيران. كما جمع العُمّالُ المسلمونَ من أراضي المسيحيين شيئا زهيدا، ذلك أن بني صخر رجعوا عن وعدهم وطردوِهم من الحقول. كانت الجِمالُ تجول في الأراضي وتعيث فيها فساداً. وفي المناطق النائية، استفادَ بنو صخر من محاصيل المسيحيين.
كان من المستحيل الحصولُ على التعويضات بواسطة القائممقام، القريب من بني صخر. فلا هوَ ولا المتصرف اهتمّوا بالأمرِ. ولم يستطيعوا الحصولِ على تعويضاتِ من هؤلاء البدو الرُحَّل الذين كانوا بحاجة اليهم في زمن الحج.
في دمشق، قابلَ السفير Guillois، الوالي الجديد، رؤوف باشا. ولكنه وجد أنه كان معبّئا ضدَّ المسيحيين في مادبا، الذين هم " سبب المشاكل والذين قتلوا خمسةً مسلمين"! فأعلمَ السفيرُ زميلَه في القدس في 25 آب بالأمر، فنقلَ هذا رسالَتَه إلى البطريرك. فطلبَ البطريرك بيافي Piavi بسرعة القيام بالتصحيحات اللازمة لادّعاءات الوالي. فاعادَ المُرسَلُ سرد الاحداث بسهولة: لم يُقتل الا شخص مسلم واحد، وكان ذلك في حالةِ دِفاعٍ شرعيةٍ عن النفس؛ ولكنَّ بني صخر قتلوا ثلاثةً مُسلمين لظنهم انهم كانوا مسيحيين.
رأى القنصل في دمشق الوالي مرةً أخرى وأطلعه على أوضاع مادبا الصحيحة. وكتب فيما بعد الى زميله قنصل القدس. ولكنَّ الباشا بقى على موقفه العدائي، ولم يكترث للمشكلة، ولم يُرِد أن يتدخّل لحلّها. ومع انه وجدَ اقتراحاتِ القنصل شرعية لمنعِ عودةِ تلك المشاكل، الاّ انه لم يلتزم بشيء.
وفي تلك الاثناء، طلبت القبيلتان الاورثوذكسيتان في مادبا، الكرادشة والصناع، والذين كانوا قد عانوا من نفسِ الخسائِر التي عانى منها العزيزات، بواسطة بطريرك الروم، بتعويض يبلغ 220000 قرشا. اعتبر الأب منفريدي، الذي كان يتابع الأخبار، المبلغَ مُبالغا فيه. وحصل بسرعة على التفسير. فقد أرادت السلطات الأورثوذكسية تخصيصَ 150000 قرش لبناء الكنيسة التي كانوا ينوون بناءها على أساساتٍ قديمة تحتوي على خارطة فلسطين من الفسيفساء، والتي سوف تُصبحُ شهيرةً بعدَ عام 1896.
من جانبه، رأى الأب منفريدي العقلاني والذي يعرف رعيته جيداً، أنَّ توزيع التعويضات المُحتملة ستكونُ مصدراً خطيراً للنزاعات التي لا تنتهي بين العائلات في مادبا. وكان شديدَ الاقتناع بانَّ قِسماً لا بأسَ به من هذه الرزقة المُسببة للمشاكل سوفَ يلتهمهاِ الوُسَطاء والأفنديون ومخاترة القبائل. فاقترحَ من حينها أن يعفيَ الأتراكُ مادبا من ضرائب تلك السنة وأن يسترجعوها برفعِ الضرائب على بني صخر، المسؤولينَ عن الخسائر.
لم يتوصَّل المُرسلُ الى تخفيف جشاعةِ هؤلاء الناس. فنبّهَ البطريرك إلى قدومِ ممثلينَ أورثوذكس إلى القدس يريدون مقابلةَ بطريركهم ليطلعوه على التعويض الذي سيغطي كلَّ خسائرهم.
"يريدونَ حقّهم بأية وسيلة أينما كان، وهذا جنون، فان توصلوا إلى مُبتغاهم فلن يستطيعَ أحدٌ أن يسيطرَ عيهم! لقد قلتُ لهم أنَّ البطريرك اللاتيني قد عملَ الكثيرَ من أجلهم، بالرغمِ من نكرانهم للجميلِ وخيانتهم. وهؤلاء الناس لا يفكرونَ الآنَ إلاّ في البناء. وسيقولونَ أنَّ المَخاتير، ومن بينهم صالح صوالحة الشيخ، هم عملاء عندَ الحكومة ضدَّ دويلاتهم: قد يكونُ ذلك صحيحاً مع شيءٍ من المبالغة.
علينا الوصول بطريقةٍ سلسة إلى شخصٍ جاد ونزيه، من أجلِ الوصولِ إلى اتفاقٍ يُرضي الناسَ والحكومة. ولكنَّ القائم مقام والمتصرف شديدا الاهتمام في الدفاعِ عن سلوكهم السابق، كما أنَّ المسيحيين لديهم ادّعاءاتٍ مبالغ فيها".
لا تحتوي الوثائق في سجلات مادبا عن تلك الفترة معلومات تشير الى الحَل، الذي لم يُرض بالتأكيد أهالي مادبا المُتضرِّرين.
انتقام الهي من بني صخر عام 1893:
بفضل خمول الموظفين الأتراك المُخزي، لا بل تعاونهم الصريح، وبسبب حاجتهم اليهم لترتيب ومرافقة رحلة الحج من دمشقَ إلى مكة، استطاعَ الصخور في عامِ 1892 إخضاعَ مادبا لمحنةٍ صعبة.
ولكن، ومنذُ عام 1893، جاءهم العقابُ الأشد. فقد تعجرفوا بعد ما حصل عام 1892 قد اعتقدوا أنَّ كلَّ شيءٍ مُباحٌ لهم. فأغاروا على قبيلة العنيزات في حوران، وهي قبيلة تملك ستة أو سبعةِ آلافِ خيمة. هزمهم بنو عنيزة فعدوا يجرون أذيال الفشل ويبحثون ملجإ لهمٍ في مادبا، واضعينَ بذلك المدينةَ من جديد تحتَ خطرٍ كبير.
بعثَ الأب منفريدي في شهرِ آب 1893 سرداً بالأحداث إلى مجلة "Gazzetta di Mondovi"، لذا فالكلام موضع ثقة.
في أيار 1893، رمىَ شيخ بني صخر الجديد، الشيخ رُمَيحَة 60 خيمةٍ في منطقة الجوف، في قلب الصحراء. ثم أغار مع بعضِ البدو الحُلفاء، من الحويطات والصرايرة من الجنوب، فنهبوا 200 فرس وجمل. لكنَّ العنيزات، الذين كانوا حذِرين من هذا الشيء، تصرّفوا حالاً بقوة واسترجعوا الغنيمة وسحقوا المُهاجمين الذين:
" يُقالُ، أنهم تركوا مئةً قتيل في ساحة الحرب، فهربوا وُلاحقهم بنو عنيزة مدةِ أربعةِ ايام، إلى حدِّ أنَّ الهاربينَ المُشتَّتين في الصحراء هلكوا فيها من التعب. لم يكن لدى بني صخر الوقت ليفكّوا الخِيَم، التي سقطت في أيدي العنيزات مع النساء والأطفال الذين هربَ بعضهم إلى الصحراء، وهلكَ آخرونَ فيها...
وبعدَ هذه الهزيمة، لحق بنو رُمَيحَة بمعظم رجالِ بني صخر على مسافة ثلاثةِ ايامٍ من مادبا. وسرعان ما نصب العنيزات خيامهم الكثيرة على مسافة ساعاتٍ من الصخور، فتراجع هؤلاءُ مرةً أخرى، ولكن بني عنيزة لاحقوهم:
" في القُرى والخِربات، حيثُ يسكن العُمّالُ والفلاحون في المغائر، وخصوصاً المصريون. قامَ بنو عنيزة بسلبِ اللّبِن، وهي"قرية" بني رُمَيحَة..."
وما ان اقتربت ساعةِ الحسم، حتى استعدَّ بنو صخرَ بـ 500 خيّالاً، وعددٍ من المُشاة المُحاربين، بينما استعدَّ بنو عنيزة بـ 1500 خيّالاً كان ثُلثُهم على جمالٍ سريعة، وعددٌ من المُشاة يقارب الـ 2000 مُسلحين بشكلٍ جيد. وفي قلبِ هذه القوة المُذهلة كانت "العُطفة" وهي:
"تشبه تابوت العهد عندَ العبرانيين". كانت هناك ناقةٌ تحملُ على سِرجٍ ثمين فتاةً جميلةً من عائلة الشيخ. كانت تثير بأغانيها وبزغاريدها جماعةً من 150 محارباً كانوا يُحيطونَ بها من كلِّ جانب، وكانت جماعةٌ البدو تدور بشكل فوضويّ معَ مجموعتينِ من المُسلحين. كلُّ واحدٍ كان يبحثُ عن خصمٍ ليقتله ويستولي على دابته. كان البدوي يبحثُ قبلَ كلِّ شيءٍ عن الغنيمة، وقد نجحَ بعضُ الشجعانِ في الاستيلاء على عددٍ من الخيولِ والجمال".
وفي معركة يوم 22 أيار، استعملَ بنو عنيزة الخدعة؛ فقد ترك مُشاتهم المسلحون فرسانَِ الصخور غيرِ المنتظمين يتقدّمونَ بسرعة، وفرّقوهم بتفريغِ ثلاثِ مجموعات من الطلقات النارية، مما أدى إلى تشتيتِ كثيرٍ من الخّيالة. وأخيراً هربَ بنو صخرَ بأعداد هائلة تاركين أكثرَ من 50 قتيلاً على أرضِ المعركة. ولم ينجّهم في الواقع سوى جشعِ العنيزات في جمعِ الغنيمة.
فهمَ أهلُ مادبا وعلموا بهزيمة بني صخر عندما رأوا في الثلاثينَ من أيار محاربيهم وجرحاهم ونساءهم يعودون إليهم. فقد جاءوا يطلبونَ اللجوء عند المسيحيين الذين طالما هدّدوهم في السنة السابقة!
تشاور أعيانُ مادبا القلقون جداً معَ شيوخ القبائل المجاورة. فقد كانوا هم غيرَ مطمأنين أبداً من اجتياح قبيلةِ العنيزات. واستعدّوا لهجومٍ قريبِ على القرية. فقد كانوا يعرفون جيداً أنَّ بدو الشمال هؤلاء الجشعينَ لامتلاك الغنائمِ قبلَ كلِّ شيء، لن يميّزوا بين بني صخرَ وأهالي مادبا، ولم يكن هناك وقتٌ كافٍ للحصولِ على مساندة الجنود الاتراك.
وفي اليوم التالي، شاهدوا العنيزات مخيّمينَ على بُعدِ ساعةٍ من المدينة. وعلى مرأى من الجميع، قامَ بعضٌ من خيّالتهم بالهجوم على رجالٍ من مادبا كانوا يرعونَ قطعانهم، فنهبوا القطيعَ وجرّدوا الحرّاسَ من ثيابهم!
غير أنَّ مئتي خيال وألفٍ وخمسمائة مُسلح من مادبا والقبائل المجاورة، ذلك ان الجميع كان واقعا تحت نفس التهديد، أخذوا مواقعَهم في القرية، وزادوا بذلك الفوضى والقلقَ في المدينة. وصل شيوخُ الصخور، الذين كانوا قد هربوا عندَ الحمايدة في الغرب، الى مادبا، ومثلوا، متواضعين هذه المرة، أمام الكاهن، مُقِرّينَ بوضوح أنْ ليس لديهم أصدقاء مثلَ المسيحيين الذين كانوا دوما يستضيفونهم في الشِدَّة. فقام الأب منفريدي ذو القلب الكبير بتقديم قهوة الصُلحِ لهم. ولكن خوفهم من العنيزات حملهم مجددا نحوَ الغرب.
غيرَ أنَّ الكاهنَ والأعيان القلقينَ في مادبا، كانوا قد أرسلوا رسولاً إلى سطام، شيخ العنيزات. وكانوا ينتظرونَ منه الجوابَ بقلق. فجاء الجوابُ في المساءِ مفرحاً للجميع. فقد أكّدَ هو أيضاً على محبته لمادبا! وقد عرفوا فيما بعد أنّه قاوم أتباعه الذين كانوا يطالبونَ بنهبِ مادبا لكي يستولوا على ممتلكات بني صخر ومقتنياتِ أهالي مادبا. ولكنَّ الشيخَ سطام وقفَ موقفاً جيداً، حتى أنه عملَ على إعادةِ الأغنامِ المسروقة، وعاقب من اقترفوا هذا الصنيع، تبعاً للطريقةِ البدوية، بكسرِ سيقان خمسةَ عشرَ من جِمالِهم وعددٍ من خيولِهِم.
وهكذا خلِّصَت العناية الربانية مادبا من كارثةٍ صعبة، كان سببها غباوةِ بني صخر الذينَ تلقّنوا درساً متيناً. وكانَ الأتراك الذين تعبوا في النهاية، قد سمحو للعنيزات بالقيام بما قاموا به. وقد عرفَ شيخهم الذكي والانساني كيفَ يمنعُ رجالَه من التحرش بمسيحيي مادبا، الذين كان الأتراك قد منحوهم في عام 1880 هذا الخربة من الأراضي. ونستطيع أن نفهمَ شعور الأب منفريدي بالفرح وشكره لله للخلاص من هذه المِحنةِ الصعبة لعام 1893، وهي التهديد البدوي الثالث في سنته الثالثة في خدمة رعية مادبا.
مشاريع الأب منفريدي العمرانية.
فورَ وصوله إلى مادبا في كانون الثاني 1891، عزمَ الأب منفريدي على إكمالِ مشروع الأب بيفير: بناء الغرفتين الكبيرتين المُقبَّبتين، بفتح الغرفة الغربية على الغرفة الشرقية التي بناها الأب داؤود، وجمعَ الجناحينِ ببعضِ الأبنية التي تصلُ بينهما. ولكنَّ حربَ البلقاوية عامَ 1891 ثمَّ حربَ بني صخر في حزيران 1892 أوقفتا تنفيذَ المشروع. لكنَّ الأب منفريدي لم ينسه أبداً، فقد رغب بكلِّ ثمن أن يجهِّزَ رعيتَه بكنيسةٍ صغيرةٍ لائقة قبلَ الكنيسة الرسمية.
أثناءِ حصارِ حزيران 1892، وفي أوج التهديدُ، استقبلَ الاب يوسف القائممقام ذا العلاقةِ المتينةِ مع بني صخر، ولكنه تأثر في نفس الوقتِ من ثبات المُرسَل وانعكاسات لحصار الخارجية.
"جاء في السابع والعشرين والثامن والعشرين من حزيران وأقام في بيتنا. وقد ابدى تجاهي لطفاً غيرَ مالوف، معرباً عن استعدادَه لمساعدتي في البناء".
لكنَّ الرجلَ كان، بكلِّ وضوحٍ، يبغي مصلحة ما:
" فقد توسلَ إليَّ من خلالِ أحدِ المقرَّبينَ إليه أن أُرسلَ تلغرافاً إلى الوالي، أقولُ فيه أنَّ كلَُ شيءٍ على ما يرام! كانت الخدعةَ واضحة تماما. أجبتُه أنّي في علاقةٍ مباشرةٍ فقط مع رئيسي، البطريرك، والذي أكتبُ إليه حينَ أرى السلامَ والأمنَ بأمِّ عينيّ، وإني ما زلتُ لا أرى شيئاً من هذا القبيل بعد، لأنَّه ما زالَ هناكَ أناسٌ يشكونَ من سرقاتِ مواشيهم. أرسلَ القائمُ مقامَ حالاً جنوداً لاسترجاعها، لكن دونِ أن يعاقب السارقين. ولم يترك هنا سوى عشرة جنود".
ولمّا كانَ دائمَ الخوفِ من خلعِهِ عن وظيفته، بسبب تقارير البطريرك والقناصلة، فقد كثّفَ القائمُمقام من زياراته إلى الرعية في تموز، بعدَ توقُّفِ الحصار.
" أظهرَ بعزم انه يريد مساعدتي في البناء، وطلبَ مني أن أطلبَ من البطريرك أن يرسل العمّال للبدء بالعمل. ثم أخرج من المتصرف يعدُ فيها أنه في ايامٍ قليلة، سوفَ يأتي أمرٌ إيجابي منَ الوالي. ثم فقد طلبَ هديةً كتبتُ عنها إلى المونسنيور أبوديا Appodia... فالحديث يجري عن نقله وهو يحاولُ كلَّ جهده ليبقى على كرسيه... يكفيني أن يبقى في مكانه خمسةَ عشرَ يوماً ليعطيني الوقتَ الكافي للشروع في العمل".
وفي رسالته إلى المونسنيور Appodia، يشرح الأب منفريدي عن الهدية التي طلبها المتصرف:
" لقد أكدَ لي الحاكم أنّه بما أن اذنا سابقا موجود (ذاك الذي حصل عليه الأب بيفير ب 10ليرات ذهبية)، وأن البناء الجديد هو لغرفتين مخصصتين للسكن، فسوفَ يُرسلُ الوالي الاذنَ خلالَ 15 يوماً. ولكنَّ الاتراكَ لا يفعلونَ شيئاً بلا مقابل. فقد أبدى المتصرفُ رغبتَه في الحصول على طقم كاسات من الفضة يساوى20 ليرة ذهبية.لم أرى أبداً مثلَ تلك الكؤوس. وقد نستطيعُ الحصولَ على دزينةٍ من الأواني ذات الصناعة الاقل قيمة، كالأواني التي تُستعمل في البطريركية للاحتفالات. لا أملك 10 ليرات، والباقي يجب ان يأتي من البطريركية. إجمعوا المبلغ كاملاً وابعثوه لي، وأنا لن أعطي هذا البخشيش إلاّ مقابلَ رخصةَ البناء، معَ كلِّ الشروطِ التي اريدها أنا. في الواقع أنّه نظراً لصعوبات واليِ دمشقَ اليوم في البناء، فالعشرونَ ليرة ذهبية ليست مبلغاً كبيراً... وهكذا أستطيعُ البدءَ في العمل خلالَ خمسةَ عشرَ يوماً، حتى لو لم يكن لديَّ كلُّ المبلغ".
ولكن في نهاية شهر آب، أعلن الأب منفريدي خيبتَه الكاملة: فقد تراجعت دمشق:
"لقد تلاشت كلُّ آمالي في لحظة. فبينما كنا قد بدأنا البناء، بناءً على وعود المتصرف والقائممقام كنا في انتظارِ العُمّال من القدس، ولكنَّ الأمرَ جاءَ مخالفاً لذلك. يجب طلب إذنِ من القسطنطينية! ويجب تقديم مخططٍ للبيت، يشيرُ إلى القسم المبني والقسم الذي يُرادُ بناؤه. وسيضمَّ القائممقام إليه توصيةً منه الى متصرف دمشقَ والى اسطنبول. يجب الاشارةُ في دمشق أننا قد حصلنا سابقاً على الاذن لبناء غرفتي السكن".
هذه الخطوات التي تمّت في صيفِ 1892، وصلت الى نتيجة ايجابية في بداية سنة 1893. فقد حمل كاهن رعية السلط، الأب لويس بيكّاردو إلى الأب منفريدي هذه البشرى السارة؛ وهي وصولُ رخصةِ البناء. ولكنَّ حاكمَ السلط المخيف طلبَ من الكاهن ورقةً موقّعة منه يلتزم فيها رسمياً:
"بعدم بناءِ أيِّ شيءٍ آخرَ غيرَ الذي اتُّفِقَ عليه في الوثيقة، وأن لا تتحولَ الغرفُ إلى مدرسةٍ أو إلى كنيسة".
الشرط القاسي: "عدم استعمالها ككنيسة"، سبَّبَ أزمة ضمير صعبة للأب منفريدي، الذي كان يريدُ قبلَ كلِّ شيء هاتين الغرفتين المقبَّبتين ككنيسةٍ صغيرة. وبعد أن ناقشَ الموضوعَ مع زملائه الأب اسكندر والأب لويس، أذعنَ ووقّع الورقة:
" ستفتحُ لنا العناية الربانية طريقاً؛ وقد يقودُ ذلكَ إلى بناءِ كنيسةٍ كبيرة بطلبِ الفرمان من القسطنطينية".
غير أنه، وبالرغم من تشجيعات زملائه وحتى القائممقام، لم يكن كاهنُ الرعيةِ هادىءَ البال. فالورقةُ التي وَقَّعَها قد تسمح لخصومه بمقارعته الى ما لا نهاية. وكتبَ ذلك إلى المونسنيور أبوديا Appodia. ولما كانَ عارفاً أنَّ الوالي يسمع طلبات المواطنين العثمانيين، أرسل اليه التماساًٌمن أهالي مادبا إلى الوالي يطلبون فيه السماح لهم بالصلاة "في بيت الكاهن"، الى حين تسمح لهم امكانياتهم المادية بالحصولِ على فرمانٍ لبناءِ كنيسةٍ رسمية. وقد شجعه على ذلك أن التصريح ببناءِ الغرفتين وصلَ من اسطنبول بسرعة، وكانَ موجهاً إلى "ممثل البطريرك اللاتيني في مادبا". أعرب الأب منفريدي للمونسنيور أبوديا Appodia عن أسفِهِ لعدم امتلاكِه الـ 30,000 فرانكاً لبناء الكنيسة، كي يطلبَ الفرمانَ ويستفيدَ من لطف القائممقام، الذي استطلعَ منه، أنَّ الحصولَ على الفرمان سيتمُّ بدونِ صعوبة. وفي انتظارِ ذلك، طلب من الأب Barberis، مهندسَ البطريركية، أن يبدأ العملَ بعدَ عيدِ الفصح.
ولكنَّ البطريرك Piavi، الذي كان المسموعات تقول انه ذو شخصية القوية، ظهر خجولا جدا. فقد انزعج من الوعد الغريب الذي وقّعَ عليه الكاهن. كما أنه، وبالرغم من صعوبة الاتصالات آنذاك، لم يقبل أن يضعَه كهنة السلط ومادبا والكرك أمامَ الأمرٍ الواقع، فكتبَ يحتج بقوةّ إلى الأب منفريدي!
كانت الأعمالُ بقيادة الأب Barberis معَ فريقه الكفوء والفنّي تسيرُ بسرعة. وفي ستةٍ وعشرينَ يوماً، كتب الكاهنُ أنَّ جدرانَ القاعتين الكبيرتين بدأت ترتفع، ووصلتا تقريبا الى مستوى غرف وسط الدير. انتهىكلُّ شيءٍ في نهايةِ عام 1883. فقد اضافَ الأب بيفير الجناحَ الشرقي والجناحَ الجديد إلى غرب الكنيسة الصغيرة، وهما غرفتان معَ مدخلٍ رئيسي، أكثرَ اتجاهاً إلى الجنوب الى مدخل الأب بيفير الذي يتجه شرقاً. كان أساس هاتين الغرفتين الجنوبتين، على مشروع الأب بيفير، مما سمح بتأسيس الجدران على الصخر.
نحوَ افتتاحِ الكنيسة الصغيرة.
في بداية عام 1894، كان الأب منفريدي أمامَ إحراج كبير. فقد كان الجميعُ في مادبا- بما فيهم الأرثوذكس، لحسن الحظ- مقتنعين أنّه حصل على إذنٌ لبناء الكنيسةِ الصغيرة. أما هو فادَّعى أنَّ السبب في تأخيره في عمله لم يكن بالتأكيد الشرط القاسي الذي وقّعَ عليه، بل أنَّ البناءَ الجديد لم يكن قد نشفَ بعد! زار القائممقام – الذي كان على اطّلاع على الأمور – البناء الجديد، ولم يجد فيه أثراً لاستعمال الصلاة. أمّا باشا الكرك الذي أمضى يومين في الرعية فقد قدّرَ جيداً البناء الجديد، ولكنه قالَ أنّ الوالي هو الوحيد الذي يستطيع إعطاء الاذن للصلاة فيه. فكلّمَه كاهن الرعية عن التماسَ المؤمنين الى دمشق، لكنّه أصرّ أنَّ البطريرك هو الذي يجب ان يطلب الإذن، وأنه شخصيا مستعدٌّ لدعم الموضوع.
ولما كان الأب منفريدي دائمَ التخوف من تردّد البطريرك بيافي Piavi، فقد توسلَ إلى المونسنيور أبوديا Appodia لإقناع البطريرك. وبعثَ هو أيضاً إلى دمشقَ التماساً من "المواطنين العثمانيين" وتوصيةَ باشا الكرك. وكان قد فكّرَ أولاً في الذهابِ بنفسهِ إلى دمشق، ولكنه فيما بعد اعتبر أنَّ الأب أنطون رزق، إبن البلد وكاهن رعية نابلس المُعتاد على التعامل معَ كبارِ المسؤولين، وذا العلاقة الجيدةِ معهم، هو الأجدر في الحصولِ على الإذن المطلوب. وطلبَ في نفس الوقت الاذن للمدرسة والاذن لقرعِ أجراس الكنيسة. وألحّ في الطلبَ أخيراً في آب، عندما سمع أنَّ باشا الكرك الذي كان مقرباً إليه، سوف يُنقَل.
في دمشق، آلَت كلُّ هذه المساعي إلى النجاح. ف"طريق العناية الربانية"، التي طالما آمن بها المُرسَل، قد فتحت الطريق. فوصلَ إذنُ الصلاة من الوالي في بداية شهر أيلول 1894 إلى السلط، من حيثُ بلّغَ كاهنُ الرعية البطريرك والمونسنيور أبوديا Appodia حالاً. وفي اليوم التالي نقلَ الكاهن خبرَ افتتاح الكنيسةِ الصغيرة في 8 أيلول في مادبا بكلِّ مشاعر الفرح والغبطة:
" في الأمس افتتحنا الكنيسةَ الصغيرة باحتفالٍ رسمي. وفي المناسبة، فقد تواجد الأب أنطون عبد ربه (وكان في طريقه الى الكرك) والأب لويس سالم، (الكاهن المساعد)، وقمنا نحنُ الثلاثة بترتيل القداس، الأمر الذي كان بالنسبةِ لمادبا قداساً حبرياً.
من المستحيل وصفُ حماسِ الشعب. فلو حصلتُ على مساعدةٍ لسماع الاعترافات، لكانت هناكَ مناولةٌ عامة. فبين الأمس واليوم، وصل عددُ المقتربين من الأسرار إلى حوالي الستين شخص. تركت ترك الأولاد ووالشباب الفتيات لأفسحَ المجالَ للبالغين. فليكن الرب مباركاً الذي باركَ هذه الارسالية بطريقةٍ خاصة، فأنا أرى ذلك بعيني وألمسه بيديَّ.
لديَّ الثقةُ التامّة أيضاً في المدرسة، بالرغمِ من كلِّ جهود الشيطان في منعها، لعلمه بالخير التي ستسببه للرعية... من حسنِ الحظ أنَّ المتصرفَ في علاقةٍ جيدة معي. ففي الاسبوع الماضي جاء من الكرك وتعشى وأمضى الليل عندنا، وغادرَ وهو في تمام الرضى. وبما أننا طلبنا وحصلنا على إذنِ الصلاةِ في هذا المعبد في انتظارِ الكنيسة الرسمية، فقد طلبَ مني أن أقدِّمَ له المخطط ليحصلَ لي على الفَرمان. وعندما نحصلُ على الفرمان ننتظر العناية الربانية لتزوِّدنا بالوسائل لعملِ ذلك... وإن حضّر الأب باربيرس Barberis مخططاً للكنيسة، فسأنتهزُ فرصةَ استعدادات الباشا الجيدة".
وصولُ راهباتِ الوردية، 1896:
وجدَ المُرسلونَ في الكرك في عام 1876 النساءَ المسيحيات، في نفسِ حالة الانحطاط التي كانت تعاني منها النساء في المحيط البدوي المحيط بهنًّ. فلم يكن الرجالُ يهتمون إلاّ بالغزو، وبتشغيل الفلاحين عندهم. وكانت النساء يتكفّلنَ بأعمال المنزل، ويعامَلن في البيت أباحترام أقل قليلا من احترام الخيول، كما كنّ أقلَّ انفتاحاً على الأمور الدينية من الرجال.
قامَ المُرسلون بالتصرفِ حالاً لتحسينِ الوضع العائلي والديني للنساء في الرعية. وللوصول الى ذلك، دعم البطريرك براكوِ سكرتيره الأب يوسف طنوس، في مشروع تأسيسِ رهبانية الوردية المحلية. وقد كانَ ذلكَ بفضلِ قداسة إحدى الأنفُس التي حظيَت بنعمةٍ خاصة، الأخت مريم ألفونسين دانيل، من القدس. وقد بدأت هذه المؤسسة عام 1880، وانطلقت معَ إبرازِ ثماني راهباتٍ النذور في السابع من آذار 1884. ومن حينها، فقد توزّعت راهباتُ الوردية تدريجياً في إرسالية البطريركية اللاتينية. وسوفَ يقُمنَ بتأمينِ العمل الراعوي الثمين في مدارسِ البنات وفي العمل الراعوي مع العنصر النسائي.
أرادَ الأب منفريدي، الذي رأى عملهنّ في السلط مدة 16 شهراً، حيثُ كنّ قد وصلن عام 1887، أرادَهن أن يحضرن بكلِّ ثمن الى مادبا. والسبب أنّ المعلمات العلمانيات الأوائل في مدرسة البنات خيّبن أمله، أولاً بسبب عدم مقدرتهنّ بشكلٍ عام، وثانياً بسبب العوائق العائلية.
ولما كان عالماً بمراقبة المدير التركي الشديدةِ له وبمراقبة مُخبرِه، كاهن الرعية الأورثوذكسي، كان الأب منفريدي بعدَ حروبِ عام 1891، 1892 وحرب 1893 يأمل أن تستعملَ الراهباتُ، بشكلٍ مؤقت، غرفةَ الصف والكنيسةَ الصغيرة القديمة التي بناها الأب بولس. وقام الكاهن من جهةٍ أخرى باستصلاح بعضِ الغرف على يد متعهد من القدس، أنطون لونجودورني. وكان هو بنفسه مستعداً للعيش في بيتِ الكاهن الذي بناه الأب Biever مع الكنيسة الصغيرة في سكنه الجديد في عام 1894.
وبما أنَّ الأب منفريدي كان دائمَ الايمان بالعناية الربانية ومصمماً على تثبيت الراهبات، فقد اشترى بالسر – حتى عن البطريركية - أرضاً جيدة ملاصقة للمثلث الشمالي الغربي لأرض المُرسلية. وقد دفعَ 70 ليرة ذهبية ثمناً لها، لأخوين اثنين من لبنان من عائلة حبش، تحت شعار الايجار. ولم يحصل ذلك دون برطيل…. فالمدير التركي شكّ في الأمر وهدَّدَ بتوقيف بناء حائطٍ من الحجارة الناشفة لاغلاقِ ساحةِ المدرسة الصغيرة المستقبلية. وطلب بخشيشا" بواسطة مختار الشويحات، 10 ليرات ذهبية!
وصلت الراهبتان إلى مادبا في 15 أيار 1896. وكان المُرسَل قد ألحَّ على البطريرك أن تصلَ الراهباتُ الى الرعية، ويحضرن معهنّ كل ما يلزم للإقامة والعمل. كانت المسؤولة الأخت مارتا طوطح (1863-1936)، من رام الله وقد دخلت الرهبنة على عمر 33 عاماً. وكانت الثانية الأخت أنيسة متىّ (1872-1953)، وهي لبنانية من رارايا (البترون)، ودخلت الرهبنة على عمر 24 عاماً، وقد بقيت في مادبا حتى عام 1907، كما حضرت أيام المرسل الاخيرة.
وصلت الراهبات وأقامن أولاً في بيت الأب بولس الفقير. وفي انتظار "استئجار مسكنٍ لائق" وخصوصاً بناء بيتهنَّ على الأرض التي اشتراها الأب منفريدي "المستأجرة"، غادر الأب منفريدي مادبا إلى وطنه ماندوفي Mondovi، مصطحباً معه اثنينِ من طلابه. ولكن بعدَ بضعةِ أيام، كتب اليه الكاهن المساعد الشاب، الأب لويس سالم (1867-1943) الذي وصلَ إلى مادبا بعدَ رسامته عام 1894، يقول أنّه في اليوم اللاحق لمغادرته، هدم مدير الناحية الجدار الشمالي للأرض، وطلب بواسطة مختار الشويحات، 10 ليرات ذهبية. وقد طلبَ المدير من الراهبات أن يسكنّ عند المختار، "بعيداً عن الفوضى". ولما كان الاثنان متواطئين في نفس درجةِ الاهتمام، فقد استغلوا مغادرة كاهن الرعية لكي يقوموا بدسائسهم الطمّاعة.
ولما عاد الكاهن من ايطاليا، قامَ بحسمِ الموقف، إذ اسكنَ الراهبات عند الشويحات، قريباً من مساكن الأب بولس؛ ولكنه أسرع في بناءِ بيتِ الراهبات على أرضه، لتكونَ المدرسةُ في الطابق الارضي وسكنُ الراهباتِ في الطابق الأعلى. غير أنه لم يعش ليرَ الراهبات يسكنّن في بيتهنّ الجديد، والتي بقين فيه طويلا، لانه توفي قبل ذلك.
رحلة إلى موندوفي Mondovi عام 1896.
وصلَ الاب يوسف إلى البطريركية في تشرين الأول 1887 على عمر 25 عاماً، واصبحَ كاهن رعية مادبا في كانون الثاني 1891 على عمر 28 عاماً. عاشَ الأب منفريدي ثلاثَ سنواتٍ من حروبِ البدو المُعادين لمادبا. كانت التقارير التي كان يرسلها إلى ذويه تنُشر في مجلّة Gazzetta di Mondovi وكان لها تأثير في مسقطِ رأسه، كما ساعدت في تلبية نداءاته فيما يخص احتياجات إرساليته المادية.
وعندما وافق الأتراك على تحويلِ بيته إلى مكانٍ مؤقتٍ للصلاة في كانون الثاني 1894، وعندما استقرّت راهباتُ الوردية في إرساليته عام 1896، عزمَ على السفرِ إلى موندوفى Mondovi. شجّعَ هناك النفوس الكريمة لمساعدته، وخصوصاً في دفع تكاليف الغرفتين الكبيرتين المُقبَّبتين اللتين تحوّلتا إلى كنيسةٍ صغيرةٍ مؤقتة. واستطاع المنسنيور بوتسي Pozzi أن يجمعَ 10000 لير لدعمِ مشروعه، وقد جمعَ له في كنيسة القديس اسطفانوس في Mondovi، حضوراً واسعاً لمحاظرته في الثالث عشر من ايلول لتلك السنة. كما تكفّل أيضا بدفع نفقات طباعة المحاضرة في عام 1898.
وبعدَ سنتين، أي عام 1898، عادَ الأب منفريدي إلى إيطاليا مجدّداً ليشاركَ في مدينة تورينو Turin في معرضٍ للفنونِ المقدسة للارساليات. وتضمّن المعرض لوحةٌ عن الأرض المقدسة ظهرت فيها مادبا. كما عرضَ المُرسَلُ خارطة فلسطين المصنوعةِ من الفسيفساء، وكانت قد أصبحت مشهورةٌ جداً. ولكنه ضمَّ إليها ايضاً ادواتً بدوية قديمة من مادبا، وهي بالطبع بعيدةً عن الفن المقدس، ولكنها كانت ذاتُ أهميةٍ. فقدكان المُرسلُ قد جاءَ إلى إيطاليا معَ إثنين من طلابه إصطحبهما معه من مادبا. كان لباسهم البدوي المُعَقَّد معَ عمامتهم الغريبة، يلفت الانتباه بشكل كبير. كما أثّر في الناس ثقة " البدويين الصغيرين" بأبيهم الروحي. ثم عرضَ أيضاً مخطط كنيسة مادبا المستقبلية كما رسمها الأب Barberis.
مرَّ الأب منفريدي ثانيةً بمدينة موندوفي Mandovi وكان اسمه قد اشتهر فيها. ألقى فيها محاضرةً ثانية في كنيسة القديس فيليبس، أمامَ عددٍ من المستمعين ضمّ هذه المرة كلَّ السلطات والشخصيات في المدينة. وقد عرضَ فيها تاريخَ سنيه الدراميةِ الاولى في مادبا، كما عرضَ صورةً واقعية لمحيطها البدوي غيرِ المطمئن، وهو المحيط الذي منه يخرجُ أبناءَ رعيته البدو أيضاً. كان يستطيعُ من حينها أن يُعربَ عن آماله الرسولية المبنيةِ عليهم: ففي أقلِّ من قرنٍ، ستعطي هذه الرعية 15كاهنا وأسقفين وعدداً كبيرا من الراهبات. وقد اشارَ أيضاً إلى الاحتلال التركي، منذ عام 1893، لجنوبِ شرقِ الأردن. ولكنه كانَ متحفظاً في الكلام عن علاقاته معَ الموظفينَ الأتراك. ولم يكن باستطاعته الكلامَ عن عداوتهم الشديدة مع المسيحيين، التي تخفف من حدّتها حبهم المفرط للبخشيش والبرطيل.
قام أسقف موندوفي Mondovi الذي تسلّمَ الكلامَ بعده بالتعبير بحرارةٍ عن تقديره لمُرسله الذي منحَ لـ Mondovi شرفاً عظيماً. وأظهر بندائه الذي ألهب المشاعر وبسخائه الشخصي لرعية مادبا ولمشروعها المستقبلي في بناء الكنيسة اهتماماً ملموسا مثلَ سلَفِهِ.
تأثر المواطنون والأصدقاء بشخصية مُرسَلِهِم الانسانية الغنية ثقافياً وروحيا وراعوياً. كما كانوا فخورينَ أيضاً بسمعته الطيبة. لذلك فقد اهتموا بمشروعه في بناء الكنيسة التى ستكون محط أنظار في منطقة البلقاء. وأحدثت ثقتُه الكاملة والفائقة الطبيعة في نيلِ الفرمان دهشةً عندَ مستمعيه، وثقته العالية بمؤمنيه، القاسيين بطبعهم البدوي، ولكنه كان يتعزّى بسبب تقدّمهم الانساني والروحي المستمرّ. وفي الواقع ستكون لجنة Mondovi برئاسة الأسقف نفسه، المزوِّد المالي الأكبر. كان هذا شكلا بدائيا لما يدعى اليوم بالتوأمة بينَ موندوفي Mondovi ومادبا.
عادَ المُرسلُ ممتلأً حماسا بالدعم الجديد معَ صغاره البدو المبهورينَ من رحلتهم. ولم يكن أحدٌ يشك حينها أنَّ هذا المُرسَل الشاب قامَ برحلته الأخيرة إلى بلده قبلَ موتِه المُبَكِّر على عمر 39 سنة في عيد الغطاس عام 1904.
نحوَ بناء كنيسة مادبا.
عام 1894، أدى نقلُ باشا الكرك الذي كان مستعداً للاهتمام بالحصول على فرمان بناء الكنيسة، إلى مجيءِ خلفٍ له أقلَّ استعداداً. فقد جاءَ الى هذه الوظيفة في ظروفٍ سياسيةٍ متقلقلة، حاملاً بعضَ الافكار المسبّقة السلبية تجاه الكاثوليك، والتي تزايدت فوراً بتأثير رئيس الدير الأورثوذكسي الذي أقامَ عنده. وأحسَّ الأب منفريدي والأب اسكندر بسرعة بتدهور المشاعر عندَ المتصرف.
بقيت الخطوات التالية غامضة. فقد فشلت أمال المُرسلين. فالأب سميت من طرفه تابعَ موضوعَه بإلحاح في الحصولِ على الفرمان عام 1901. والأب منفريدي لم يرى تحقيقا عمليا للوعود، قام بذاتِ الجهد، بمساعدةِ إحدى الشخصيات ذات النفوذ في القسطنطينية، السفير البابوي، المونسنيور بونتّي Bonetti، الذي أرسل اليه تلغرافاً في 19 آذار، يخبره أنَّ السلطان منحَ الفرمان بكلِّ سرور.
كان الأب منفريدي قد جهّزَ مخططاتِ الأب باربيرس Barberis لبناء الكنيسة الجديدة، وكان قد حصلَ على الأموال من لجنة Mondovi، فباشر فوراً في وضعِ الأساسات، في الموضع المقرر، إلى الشمال من بنايات الدير. ولم يكن يُدرك أنَّ هذه البشرى السارة أتت قبلَ موتِه بشهر واحد. وفي تشرين الثاني 1903، جاءَ مهندسانِ، أحدهما بلجيكي والآخر ايطالي، كانوا يعملون بالقرب من مادبا في بناء السكة الحديدية من دمشق إلى المدينة، جاءوا إلى مادبا ليزوروا الكاهن ومشروعَه. وقد أثنوا على نوعية العمل في الأساسات. وبعدَ موت الكاهن في عيد الغطاس 1904 بعدَ شهرٍ ونصف من ذلك، كانت جدران وأعمدة الكنيسة قد ارتفعت مقدار متر عن الأرض متر.
اما لجنة موندوفي Mondovi، فقد ازدادت نشاطا بدلاً من أن تُحبط بسبب موت المرسل الغيور، واستمرّت في جمعِ التبرعات. بيد أن العملَ في عهد الكاهنين الذين خلفا الأب منفريدي سار ببطء كبير، ولم يتم تدشين الكنيسةُ إلاّ في الحادي والعشرين من كانون الأول من عام 1913.
رائد في علم الآثار في مادبا.
في الأيام الأربعةِ الأولى التي قضاها من آذار 1872 في مادبا، أدركَ الكاهن الانجليزي تريسترام Tristram غنى الآثار في تلك المدينة، المُغطية بأطنان من الغبار. كان المُرسلون اللاتين الثلاثة الأوائل، من عام 1880 إلى عام 1891، منصرفين الى الاهتمام بمؤمنيهم الصعبين وبالأحداث المتكرّرة مع المحيط البدوي المُعادي، فلم يعيروا موضوع الآثار اهتماما. امّا بالنسبة للناس، فقد كانوا يلاحظون وجود آثار تحت الأرض، خصوصا عندما كانوا يحفرونُ لبناءِ بيوتهم المهلهلة.
في الواقع، كان الاب مانفريدي عالم الآثار الأول في مادبا. فبعدَ حرب البلقاوية (1891) وحرب بني صخر (1892) وحرب العنيزة مع بني صخر (1893)، وجد الأب مانفريدي ذات الثقافة العالية وقتا للإهتمام بدراسة آثار مادبا وتتبُّع الاكتشافات التي استهوته فيها. ففي عام 1896 استضافَ لبضعةِ ايام كُلاً من الأب لاغرانج Lagrange والأب فنسان Vincent من كلية دراسات الكتاب المقدس للقديس اسسطفانوس، الذين جاءوا للقيام بكشف أول عن خارطة فلسطين الفسيفسائية، الموجودة في كنيسة الأرثوذكس الجديدة. وهكذا، دخلَ في علاقةٍ مع ادارة مجلة الآثار المسيحية الايطالية، برئاسة Rossi وبعده Maruchi. وأصبح مراسل لتلك المجلّة وحاز على اعتبار عالٍ في كلية دراسات الكتاب المقدس في القدس.
ولما أصبحَ بفضلِ شجاعته وغيرته وثقافته، الشخصيةٍ الاولى في مادبا، فقد تابعَ باهتمام الاكتشافات المستمرة في المدينة. وقد نشر المخطط الذي كان الاول في وضعه عن المدينةِ القديمة، الكنائس العشرَ القديمةِ الأولى، التي اكتُشِفَت عام 1898. ونشر في مجلة الآثار الخارطة الأصليةِ الأولى عن كل المنطقة، من وادي الحسا في الجنوب وحتى حِسبان في الشمال. وقد وضعها بعناية بمساعدةِ الأب باربيرس Barberis الذي مرَّ عنده في عام 1893 أثناء بناء الكنيسةِ الصغيرة. وقد كانت الخارطة الأولى لسفوح الموجب، من البحر الميت في الغرب، حتى طريق الموجب وطريق الحج من دمشق إلى المدينة في الشرق.
ولكنَّ عمله الأكبركان مقاله رقم 3-4 من نشرة عام 1899: Piano generale delle Antichita di Madaba. وقد كان أوّل من قدّم اكتشاف خارطة فلسطين الفسيفسائية الشهيرة. كان مخططه للمدينةِ القديمة رائعاً، حيثُ حدّدَ كلَّ عناصر النصٍّ الغني الموجود. وقد أشار إلى المثلث الشمالي الشرقي لمكان سكنه في المُرسلية، قلعة التلّة التي بقيت أساساتُها القوية. وقد رسمَ فيه السور "الذي ما زالَت آثارُه واضحة" إلى الجنوب؛ ثم البرجان إلى الشرق وإلى الغرب، اللذان كان من الممكن رؤية قواعدهما ؛ وأبواب المدينة، خصوصاً الباب الشرقي الضخم، الذي أشارَ إليه في عام 1899، والذي هدمه الاورثذكس ليبنوا الكنيسة التي تحوي الخارطة التي ذُكر وجودها منذ عام 1884، ولكنَّها اكتُشِفَت فعلاً عام 1896، عندما بدأوا تبليط الكنيسة؛ عندئذ ظهر كم من الدمار حلّ بالخارطة على يد المهندسين والمعماريين الذي عملوا على بناء الجدران والأعمدة داخل الكنيسة.
ثم يذكر الأب منفريدي في موضوعه، الكنائسَ العشرة المعروفة منذ عهده: كنيسة العذراء، على الجناح الشمالي للطريق الرئيسة؛ والثالثة على الجهة الجنوبية، تحت كنيسة القديس ايليا، التي استطاع نقل الكتابة عنها عام 1897 وإنقاذها، وهي مُؤرّخة في عام (596) واسم المطران ليونسيوس Léonce، وقد نشر ذلك عام 1897. ثم أشارَ ايضاً إلى كنيسة رابعة، إلى الشرق من كنيسة القديس ايليا (159)؛ ثم صحنِ الكنيسة الخامسة، وأضاف أنَّ الارثوذكس كانوا قد خرّبوها عام 1896 أثناء بناء كنيستهم. وإلى الجنوب، ذكر كنيستة السادسة (المعروفة اليوم بكنيسة السلايطة، وهي القبيلة المجاورة للمكان)، التي أعطى مخططها ايضاً. ويذكر كنيسة سابعة إلى الجنوب، يقول أنَّ آثارها قد انمحَت قبلَ وصوله عام 1891؛ ولكنه يشيرُ إلى مكان صحن تلك الكنيسة وقد استطاعَ انقاذَ عنصرٍ منها في الدير، وهو عبارة عن درابزين من الرخام "صليب يوناني داخل تاجٍ جميل، بارز المعالم، عمله مُتقَن جدا". وقد زيّنَ به المذبح الخشبي في معبده عام 1894، ثم وضعه خليفته الأب جورج سابا في جرن المعمودية لكنيسة الرعية.
كان للأب منفريدي الفضل في التعرّف على كنيسةٍ ثامنة إلى الجنوب من التلَّة، وهي الكاتدرائية البيزنطية، التي ثُبِّتَت لاحقاً، بعدَ الحفريات التي قامَ بها الأب Piccirillo. وقد رأى فيها صحن الكنيسة التي هُدِمَت فيما بعد، واستطاع الأب سافينيا Savigna (R.B 1911 437-440) فيما بعد أن يصوِّرَ كتابتها التي اكُتشفها خليفة الأب منفريدي عام 1911. وقد تعرّفَ على كنيسته تاسعة في مقبرة اللاتين، وهي تشبه ديراً بيزنطياً. وذكرَ ايضاً كنيسةً عاشرة تقع في المكان الذي سيبنى عليه الجامع فيما بعد.
وهناكَ كنيسةٌ أخرى حادية عشرة، لم يجرؤ على تثبيتها في عام 1902. وقد أرسلَ الكتابةً التى وجدها إلى الأب فينسان Vincent من كلية القديس اسطفانوس، الذي نشرَ رسالَتَه مع النص الكتابي في مجلة الكنتاب المقدس : " على عهد ابينا المُكرَّم والقديس، الأسقف سيرجيوس Sergios تمَّ إنجاز بناء معبد الرسل المقدّس... في سنة 473". اختفت منصة الهيكل والكتابة. لكنَّ حفريات عام 1967، كشفت عن الكنيسة الغنية بالفسيفساء. وكان الأب منفريدي قد نسبها، دونِ أن يتمكن من تثبيت ذلك، إلى الرسل. تم شراء هذا المكان وتغطيته، وهو اليوم من معالم المدينة الأثرية.
في تقريره عام 1899، يذكر المُرسَل عدداً آخر من الفسيفساء الجميلة، والتي كانت قد اختفت في ذلك الوقت. اما في بيته في الدير، فإنَّ الفسيفساء التي وجدها الأب سارينا لم يجدها أحد. ولكن في المثلث الشمالي الشرقي، كان قد اشارَ إلى المداميك العظيمة التي كان يعتقد أنها تعود للقلعة الحصينة؛ وفي المثلث الشمالي الغربي، على الأرض التي اشتراها لمدرسة الراهبات، وجدَ حماماتٍ رومانية "بهندسةٍ جيدة، معَ تمديدات القنوات، ومواقد للنار والبِرَك".
وتحت بنايات الدير، وجدَ صهريجاً كبيراً محفوراً على عمقِ 7 أمتار، والذي حُفرَ فيما بعد في الصخر الى عمقِ 9 امتار، بعرض 12 متر. وإلى الغرب من المدينة، يذكر المغاير العديدة والمدافن القديمة والرومانية، التي تحولت فيما بعد إلى محاجر، استعلمها اهل القرية لبناء بيوتهم عام 1880. يذكر أيضاً إلى الشمال من المدينة، خارج السور، قريباً من كنيسة الخارطة، البئر الضخم، المنسوب إلى يوستينيانوس، كما تدلّ على ذلك كتابة منقوشة لهذا الامبراطور. يبلغُ طولُ البئر عشرينَ متراً وبنفس العمق، وهو محفورٌ في الصخر.
عام 1903، في مقالٍ لمجلة دراسة الكتاب المقدس، أثبتَ الأب منفريدي علمه الواسع بالينابيع الغربية المحيطة بزرقاء ماعين، وبالمعطيات المذكورة في خارطة مادبا عن هذه المناطق. فقد ميّز بين "البارو" Baarou التي هي حمامات زرقاء ماعين كما وردت في الخارطة و "ترماكاليرويك" Thermakalliroec وهي حمامات تصب في البحر الميت تجاه الجنوب. أكّد Leclerc صحة ما يقوله الأب منفريدي وأشار ان العالم Schurer كان يقول ذلك أيضاً بطريقة شخصية. نأسفُ بالفعل أنَّ الأب منفريدي، عالم الآثار المختص، انشغل بأمور ابناء رعيته ولم يتمكن من متابعة الاكتشافات المستمرة في مادبا إلاّ عن بُعد، بينما لم يكن ابناء الرعية يعلنون أبداً عن اكتشافاتهم، لا بل كانوا يدمّروها بسهولة. كان مقاله الرئيسي لعام 1899، مع المخطط الرائع الذي قدّمه، سبباً في مدحه، وكذلك النقوش التي كشفَ عنها قبلَ اختفائها فيما بعد، وبديهيّته التي ثبتت فيما بعد. وكانت خاتمةُ مقاله مدهشةً فعلاً:
"هذا باختصار ما يمكن أن يقوله علمُ الآثار عن مادبا. ولسوء الحظ فإنَّ كثيراً من الآثار القديمة المذكورة اختفت، ومنها ما الآن يضيعُ شيئاً فشياً، ومن يعلمُ كم من غيرها ستختفي تدريجياً تحتَ البنايات الجديدة.
نأمل في المستقبل، مع تقدّم الثقافة، مع الحفر العميق في الأرض لبنايات كبيرة، انَّ تكشف مادبا آثاراً جديدةً وخلابة من الآثار المسيحية".
إنّ حدسَ ورغبةَ الأب منفريدي تتحقق باستمرار في مادبا الحديثة، لا بسبب البنايات الجديدة بل بفضل الحفريات العلمية المنتظمة. وكذلك تحقق حدسَه في امكانية وجود لوحات من الفسيفساء مركّبة فوق بعضها البعض. فقد اكتشف الأب Piccirillo معَ فريقه عام 1976 في جبل نيبو قطعةَ فسيفساءٍ رائعة لم يمسَّها أحد بعد، معَ بعضِ الكتابات المُؤَرَّخَة، على بعدِ مترٍ من قطعةِ فسيفساء أخرى إلى الأسفل، أقلَّ أهميةً من الأولى. وكذلك عام 1982 وجدوا أمامَ كنيسةِ العذراء قطعةَ فسيفساءٍ رائعة غير ملموسة، تمثّل مادبا على شكلِ إلهة حرب متوجٌة مع اسمها، وتحملُ صولجاناً طويلاً يعتليه صليب. كانت هذه بالفعل "العجائب" التي اُدرِكَها منذ عام 1899 الأب منفريدي.
عمل المُرسَل
بعدَ وصوله إلى الأرض المقدسة مليئاً بالغيرة الرسولية، كان الأب منفريدي، الذي أصبحَ اسمه في مادبا "أبونا يوسف"، كان قبلَ كلِّ شيء رجلَ الله. لكنه كان أيضاً الرجلَ الذكي والشجاع الذي وضعَ كلَّ طاقاته وعزمِه في خدمة أبناءِ رعيته البدو، الذين لم يكونوا مسيحيين جيدين بعد. وقد دافعَ عنهم بحزم بكل قوته منذ سنته الأولى عام 1891 عندما هاجم البلقاوية مادبا وسلبوها. وقد استغربَ هو نفسُه من جرأته عندما تقدّمَ وحده نحو البدو الذين هاجموا القرية ٍ" لكي يواجه القبيلة بكاملها وهي مسلحة، وقد أبعدَ بذلك مذبحةً وخراباً كان سيحدث في مادبا". وقد نجحَ بنعمة الله على الحصول على السِلم.
عام 1892، أظهرَ في المقاومة دوراً ينمُّ عن الفطنة والعزم، وذلك أثناء حصار مادبا الذي دامَ 35 يوماً من قِبَلِ بني صخر. فقد عرَّض نفسَه شخصياً للخطر، عندما اخترقَ الحصار متنكراً في هيئة بدوي لكي يذهبَ للبحث عن المساعدة في السلط. وفي عام 1893، استقبلَ بشهامة بني صخرَ في مادبا، وهم أعداء السنة السابقة، حينما سحقهم العنيزات. وقد أسعفَ جَرْحَاهم، وقبلَ عذرهم؛ كما طلب من شيخ العنيزات خلاص مادبا. في هذه الظروف الدرامية الثلاثة، ظهر قائدا مؤمنا كبير الثقة بالله، ورجلاً شجاعاً ذكياً.
وحتى مع أبناء رعيته البدو في مادبا، ذات الاطباع الخشنة، فقد انتهزَ احترامهمَ له كي يزيد فيهم مشاعرالايمان.
تأثر الأب باربيرس Barberis زميله المهندس والذي سيبني له "الكنيسة الصغيرة" بعمله التبشيري العميق، وقد شهد له عام 1890:
"ما حقّقه الاب مانفريدي من بناء وتعليم المسيحي ومحاضراته ومثاله الصالح في كلِّ شيء وممارسته لجميعِ الفضائل، كل ذلك جعلَ الهيكلَ الالهي الذي بناه مشرقاً في قلوبِ الناس؛ لم تعد كنيسته الصغيرة التي بناها قبلَ اربعِ سنوات تكفي لأبناءِ رعيته الذين وصل عددهم من 202 إلى 400 شخص".
اما الأب لامينس Lammens المستشرق اليسوعي، وهو من بيروت، والذي اقامَ عند الأب منفريدي، مثلَ الزوار الآخرين الذين جاءوا إلى مادبا، فقد لاحظَ جيدا كيف كان يتصرّف مع أبناء رعيته:
" لا نلتقي كلَّ يومٍ اشخاصاًٍمثلَ الأب منفريدي، وهذا أمر نادر، خصوصاً في الأردن. اتكلّمَ بالخصوص عن مادبا، المُرسلية المُزدهرة التي كرّسَ فيها هذا الكاهن الشاب والمميز نفسَه منذ سنوات.
في المساء، كان هؤلاء البدو يجتمعونَ في الدير ليتسامروا؛ وكانوا يقدمون أنفسهم الواحد تلوَ الآخر ليُسَلِّموا عليه ويقبّلواَ يده. كانوا أناساً طيبين، ذوي هيئةٍ معبّرة ومهذبة… وقد هذّب الدين المسيحي هؤلاءَ الأشخاص بشكلٍ مدهش، فقد كانوا قطاعَ طرقٍ حقيقيين مثلَ زملائهم من القبائل الأخرى، يحملونَ الخنجرَ الكبير الذي لا يفارقهم حتى في الكنيسة. وفي يوم العنصرة، أثناءَ القداس، كان هناك عددٌ كبيرٌ منَ المُتقدِّمينَ إلى المناولة المقدسة. كانَ هؤلاء البدو مهتمّين جدا بهندامهم الخارجي، الأمر الذي يجعلُ بعضَ مؤمني أوروبا يخجلون من أنفسهم عندما يرونهم. كلُّ ذلك بفضل الأب منفريدي".
وعندما زار الأب بيفير مادبا في عام 1905، لاحظَ تغيُّر المؤمنين في مادبا وتكلّم عن "ازدهار رائع للحياة المسيحية، بفضل غيرة الكاهن الرسولية، الأب منفريدي..."
وفي عام 1934، كان أحدُ خلفائه، الأب بولس ميرلو (1928-1940) قد سجّلَ أقوالَ رجالِ مادبا الذين تأثروا جدا بشخصية الأب منفريدي.
"لقد كان سلوكُه بمثابةِ عظةٍ مستمرة وفي كلِّ الأحوال لم يكن يُظهرُ إلاّ اللباقة واللطف المسيحي ومحبة القريب.
وإن خاصمه أحدٌ، كان الأب منفريدي هو الذي يبادر في طلب الصفح؛ أمّا الآخر، فيرتبك أمامه ولا يبقى له الاّ أن يقدّر ويحب هذا الكاهن القديس أكثر؛ وإن حدث وأن خاصم هو أحداً، كان يُسرِعُ إليه ليقدّمَ له اعتذاره، طالباً منه الصفحَ والبركة.
لم يكن الأب منفريدي في الواقع يتّبعُ إلهامَ قلبه البسيط والكريم فحسب، بل كانت له أيضاً معرفةً عميقة بالنفس البدوية، المتكبّرة والفخورة، والتي كانت تمنعُ المُخطىءَ من أن يعترفُ بضُعفَه ويطلبُ المغفرة. لذا كان سلوكُ الكاهنِ أفضل من من عظةٍ طويلة، وكان يحصلُ على نفس النتيجة وبسرعة.
كانت غيرة الأب منفريدي الرسولية تمتدُّ خارجِ مادبا. فقد اهتمَّ ايضاً بالعمّال الايطاليين الذين كانوا يعملون عام 1902-1903 في بناء السكة الحديدة التي تربط دمشق بالمدينة المنورة (1300 كم). وقد اشارَ إلى هذا العمل الرسولي في رسائله، وهو حزينُ القلبِ لحالة هؤلاء الناس الدينية:
"في الاسبوع الماضي، كنت في زيارةٍ راعوية للعمال الايطاليين الذين يعملون في السكة الحديدة بالقربِ من عمان. وقد قضى وباء الكوليرا ما يقاربُ الأربعين منهم. (وقد ماتَ أكثرَ من 300 عاملاً من أصلِ 3000 منهم في العمل). اختفت الكوليرا وبقيت الحرارة والديزنطاريا. وعندَ الضرورة، أنا مستعدٌ لأكونَ تحتَ تصرُّفِهِم".
كانت كلُّ زيارةٍ تستغرقُ سبعَ ساعات على الخيل دون طريق رسمية. وفي أيار، كان عائداً من هذه الزيارة عبرصحراء عمان:
"في هذه الأشهر الأخيرة، اهتممت قدر استطاعتي بهؤلاء الايطاليين. وقد قمتُ بزيارةٍ إلى كلَّ الأمكنة التي يتواجدُ فيها عددٌ كبير منهم، من 200 إلى 300 شخص. ما أتعس وضعهم الروحي! كثيرٌ منهم بعيدٌ عن الكنيسة والكهنة منذ عدةِ سنوات، وهم بينَ المسلمين، لا يعرفونَ من الديانة سوى ألفاظ الكفر. أنهم يثيرونَ الشفقة. ها هم مهددون من جديد من الكوليرا. وإذا حدث شيء سوفَ أُسرعُ لنجدتهم".
موت الرسول (1904)
كان يبدو أنَّ الأب منفريدي يتمتّع بصحةٍ جيدة طبيعية. ولكنَّ نظامَ نشاطاته الراعوية، وملاحقة ابناءِ رعيته في الخيم اثناءَ المواسم، والاهتمام بالمدارس، والسهرات المُنهِكة والمفيدة جداً من الناحية الراعوية لتهذيب العقلية البدوية، والأوبئة المستمرة… كل ذلك كان يُضنيه: كانت المرة الوحيدة التي شكا فيها من صحته في أيار 1899 حيثُ قالَ أنه مريض ويعاني من الحرارة وفي ألمٍ في عينه؛ ولكنه كان يقولُ في نفس الوقت أن ما يؤلمه أكثر هو جشع حاكم السلط غير المعقول، الذي طلبَ 500 فرانكاً لكي يدعم طلبه للفرمان من القسطنطينية، لا سيما وأن البطريرك بيافي Piavi لم يتحرّك قط.
عام 1902، أحدثت الكوليرا خسائرَ في كلِّ صوب، وخصوصاً في مخيمات العمّال المنهمكينَ في بناء السكة الحديدية من دمشق إلى المدينة. مرضت أخته الراهبة (من راهبات المحبة) وأعلمته بخطورةِ حالتها. فكتبَ إليها بكلِّ ايمان، يحثّها على أن تتقبلَ بفرحٍ لا الألمَ فحسب، بل الموتَ ايضاً. ثم توفيت في كانون الثاني عامَ 1903.
"لقد كنتُ متحضراً لهذا الخبر. لتكن مشيئةُ الرب. لقد اختارت مريمُ النصيبَ الأفضل. وسوفَ تساعدني وهي في السماء أكثرَ مما كانت تساعدني وهي في هذا العالم".
وكان يكتب أيضاً عندَ موجة الكوليرا:
" بصفتي كاهناً وراعياٍ وطبيباً، سأكونُ أنا أولَ من يتعرضَ للمرض. لذا أنا على اتمّ الاستعداد… للرحيل، وأنتم لسماع خبرَ رحيلي إلى الأبدية".
عند نهاية تلك السنة، أوكِلَت إليه مهمَّةٌ رسوليةٌ جديدةٌ ومُتعِبة، على بعدِ ساعةٍ إلى الجنوب الغربي من مادبا، في ماعين. فقد سمعَ أنَّ مئة من الأرثوذكس كانوا يريدونَ أن يدخلوا الكنيسة الكاثوليكية، وطلبوا منه أن يحضّرهم لذلك وأن يبني لهم مدرسة. ذهب الى ماعين وعمل فيها دون ملل. ولكن بسبب بعض الدسائس المُعادية لاحقا، تهرّب هؤلاء الناس، الأمر الذي أثّرَ في الكاهن كثيراً. غير أنه بعدَ ذلك فتك فيهم مرضُ التيفوس وقضى على ما يُقاربُ الثلاثين شخصاً. وبكلِّ نخوةٍ وشهامة، أسرعَ حالاً إلى مساعدة المرضى والموتى الذين أهمٍلوا روحياً. يقول أبناءُ رعيته في مادبا أن عدوى المرض أصابته من على أسِرّة هؤلاء الناس المرضى من ماعين، في نهايةِ شهرِ تشرين الثاني عام 1903.
في الثالث والعشرين من ذلك الشهر، كان ما كتبه في مذكّراته الخاصة يكشفُ عن شعورٍ مُسبقٍ بالمرض، وعن نفسه العظيمة المُستعدة:
" في هذه الأيام تقف الكوليرا على أبوابنا. ليتلطّفَ الربُّ ويستجيبَ دعواتِنا، وليتقبّلَ تقدمةَ حياتي ويُنقذَ الناسَ من هذه النكبات. أنا اقبلُ الموتَ تكفيراً عن خطاياي ولخيرِ أهلِ مادبا، وليمنحهم الربُّ راعياً حسبَ قلبه".
في منتصف شهر كانون الأول، وقبلَ موسمِ الأمطار، صرفَ العمالَ الفلسطينيين الذين كانوا يعملونَ في أساساتِ الكنيسة؛ وكانوا قد غرزوا فيها من 16 إلى 24 دعّامة في الصخر؛ وقد قاموا برفع الجدران مقدار مترٍ فوقَ الأرض.
حينئذ جاءه خبر من الكرك عن مرضِ صديقه الأب اسكندر (الذي بقيَ عنده في مادبا حتى عام 1894). وكانوا في علاقةٍ روحيةٍ حميمة، فقد كان يتلاقى المُرسلان بانتظام، إذ كان كلُّ واحد منهماٍ يقطعُ نصفَ المسافةِ على الحصان، ليتلاقوا في سفح وادي الموجب. وكانوا ينتهزون الفرصة أيضاً ليعترفَ كلٌّ منهم إلى الآخر. ففي التاسع عشر من كانون الأول قام الأب منفريدي وهو يعاني من الحرارة بالسير مسافة 14 ساعة حتى الكرك. وقد أخذَ معه أحدَ أبناءِ رعيته الشباب، جريس صوالحة. وقد سرد هذا الاخير فيما بعد في عام 1934 الحادثة إلى الأب بولس (ميرلو) الذي دوّنها حالاً:
" كان يحدثني عنها اليوم كأنها حدثت بالأمس. كان أبونا يوسف (منفريدي) مُتعباً ولم يأكلَ شيئاً طوالَ سيرِنا. اصطدت عصفوراً وشويتَه لكي نستريح في وادي الموجب. وقدمتُ منه إلى الأب يوسف. فاعتذرَ قائلاً أنَّ هذا النوع من اللحم دسِمٌ".
وعند وصولِنا إلى الكرك، اعتنى بصديقه القديس؛ واعترفوا بالتبادل وعادَ في الثالث والعشرين إلى مادبا، بسبب اقتراب أعيادِ الميلاد. وفي الطريق:
" كنا نتكلمُ عن الأب اسكندر وعن مرضه. فقال لي الأب يوسف: ليس الأمرُ خطيراً، فسوفَ يُشفى، وأنا الذي سوفَ أموت مكانَه".
ويوم عودته مُرهقاً إلى مادبا، استُدعيَ في نفس يومَ 23 كانون الأول ليصلّي على أحدَ أبناءِ رعيته المُصاب بالتيفوس. في الرابع والعشرين كانَ عليه سماع اعتراف العيد لأبناءِ رعيته المُزدحمين، وفي يوم عيدِ الميلاد، أتعبته مراسيمُ الاحتفالات، وزياراتُ أبناء الرعية لتقديمِ التهاني بالعيد. وازداد ضغط العمل لأن مساعدُه، الأب لويس سالم الذي اُصيبَ أيضاً بمرضٍ عُضال قد تركه وذهبَ إلى القدس. في السابع والعشرين، كانت قوةُ ابونا بوسف قد غادرته. وفي اليوم الثلاثين، لازمَ الفراشَ نهائياً، بالرغمِ من قربِ الأعياد.
وبفضلِ العناية الربانية، فقد وصلَ في 31 كانون الأول مساءً، ثلاثةَ كهنةِ من الرهبان البيض لكي يزوروا الأماكنَ الأثرية في مادبا، وكان ذلك من حظِّ الأب يوسف كما كان كذلك بالنسبةِ للتاريخ، بفضل رسالةٍ أحدِ الكهنة الى العائلة بعدَ موتِ المُرسَل:
" وصلنا في 31 كانون الثاني إلى مادبا ووجدنا الأب منفريدي فريسةً للحُمَّة. استقبلنا بكلِّ محبةٍ أخوية: انَّ العناية الربانية هي التي أرسلتكم ايها الكهنة الأعزاء، لتؤمّنوا غداً القداسَ لأبناء رعيتي‘.
وفي اليومِ التالي، كانَ الحضورُ كبيراً في القداس وقد أثّرت فينا تقواهم وتراتيلهم. وبعد القداس عُدنا إليه ووجدناه أكثرَ تعباً من اليوم السابق. وذهبنا فيما بعد لزيارة الأماكن الأثرية. عُدنا نحوَ الساعةِ الثالثة والنصف، فتلقّانا عددٌ من الأشخاص وقالوا لنا: ‘تعالوا بسرعة، أبونا يوسف يدعوكم‘. فأسرعنا الخُطى إلى سريرِ المريض الذي كان يعاني من آلام مبرحة، فقال لنا : ‘ انتهى كلُّ شيءٍ، أعطوني الأسرار الأخيرة. أجبناه : ‘سنبقى هنا وسنمنحُكَ المسحةَ الأخيرة عندما تتطلبُ صحَّتًكَ ذلك‘. فأجاب : ‘ ليست المسحةَ الأخيرة للموتى، بل هيَ للمرضى المُخطرين، وأنا أعلمُ أني منهم؛ أريدُ قبولَ الأسرارِ وأنا في كاملِ وعيي‘.
كانت الغرفةُ مليئةً بالعرب الكاثوليك، شباباً وشيباً، وقد ركعوا حولَ سريرِ مُرسَلِهِم، يذرفونَ الدموعَ بحرارة. فسمعت اعترافه وزوَّدتَه بالمسحةِ الأخيرة. وقد أجابَ بكلِّ خشوعٍ على كلِّ الصلوات. وبعدما قبلَ الأسرار الأخيرة، قامَ الكاهنُ القديس الذي امتلأَ فرحاً بتقبيلِ يدي قائلاً: شكراً يا أبتِ؛ أنا سعيدٌ ولا أرغبُ في شيءٍ آخر سوى الذهابِ إلى الله تعالى.
وبعدها قالَ لي توصياتَه: أطلبُ المغفرة من كلِّ رؤسائي على كلِّ الآلام التي سبَّبتَها لهم؛ ومن زملائي في الكهنوت للشكوك التي سبّبتها لهم. وأنا مستسلمٌ تماماً لمئيشةِ الله. ولكني أحبُّ في هذه اللحظة أن أموت بشكل أفضل. قُل لأبناءِ رعيتي أني أحببتُهُم من كلِّ قلبي؛ فليحبّوا بعضهم بعضا وليتردّدوا على الكنيسة.
أريدُ أن اُدفنَ في الكنيسةِ الجديدة، بالقربِ من هيكلِ العائلةِ المقدسة. صلوا بالقربِ من سريري؛ وأنا أصلي في داخلي. وأنا لا أبغي سوى مشيئةَ الله القدوسة!".
واستمرّت آلآم لمريض حتى الساعة السابعة صباحاً. وكانت الأخت أنيسة (أغنس)، وهي من راهبات الوردية بقرب سريره، وقد كتبت فيما بعد إلى عائلته كلَّ إعجابها بموت الكاهن:
" عندما كنتُ اقدّم إليه الصليبَ أو صورةَ العذراء العجائبية، كان يأخذها كما يأخذ العطشان كأسَ ماء. وعندما كان يراني أبكي، كان يمنعني قائلا: لا يجبُ عليك ان تبكي بل أن تصلي... لا تبكوا أمامي. وكنتُ أقولُ له: أبتِ، نحن لا نبكي، بل نطلب من الرب أن يُبعد هذه الآلامِ عنكَ، إن كانت تلك إرادته. نعم، ابكوا اذاً وصلّوا فقط لكي تتمَ مشيئةُ الله. فأنا سعيدٌ جداً، ولا أحدَ في الدنيا يستطيعُ أن يصفَ الفرح الذي أنا فيه، وخصوصاً إذا جاءَ الرب ليأخذني معه.
وهكذا عاشَ حتى نهايةَ الليل بعدَ عيد الغطاس، ثم ذهبَ إلى السماءِ ليأخذَ اكليل المجد الذي استحقته له حياتُه وتضحياتُه".
وعندَما قرعِ جرسِ الحزن، تسارعَ البدو من القبائلِ المجاورة، الذينَ كانوا يتابعونَ أخباره عن قريب. فهم أيضاً كانوا يكرمونه مثلَ المسيحيين. وقامَ بمراسيم الجنازةِ كلٌّ من كاهن رعية السلط، الأب شكري صافية، الذي جاءَ معَ مساعده الماروني، ومساعد رعية الكرك، الأب أنطون عبدربه (1869-1916) الذي سيصبح كاهن السلط والذي سيموت عام 1916 من التيفوس أيضاً، ضحيةً لاخلاصه في منازعة مرضى التيفوس في الحصن. وكان في المراسيم أيضاً الكاهن من الرهبان البيض الذي مسحه المسحة الاخيرة. وفي هذه الجنازة، والكلام للأب باربيرس Barberis:
"كان المُشيِّعونَ قد أنتابهم شعورٌ كبيرٌ من الخسارة بفقدانه. يا للتعاسة! يا لخسارتنا! أنا أعلم ذلك، أنا الذي عرفته جيداً. لقد كان أفضلنا جميعا، وفيه كانت أكبر آمالِنا. لقد كافأه الرب في الوقت المناسب".
كانت في الواقع خسارةٌ عظيمة للاكليروس البطريركي، وبالذات لمادبا، كما كان يشعرُ أبناءُ الرعية المحزونون. ففي سنيه الثلاثةَ الأولى في مادبا، أنقذَ المدينة بفضلِ شجاعتِه وتصميمهِ الدائم. وكان أيضاً في الثلاثَ عشرَ سنة من خدمته قد طبّعَ مؤمنيه بعمق بالدين المسيحي. ولم يكن أحدٌ منهم يشك أنه لم يمت من جرّاء إخلاصه لمرضى التيفوس. لقد قامَ فعلاً باعطاء المثلِ الأعلى، وأعطى البرهان الساطع على محبته الفائقة الطبيعة.
عام 1934، كتب أحدُ خلفائه، الأب بولس ميرلو (1928-1940)، تأثره ببقاء ذكرى ابونا يوسف حيّة عند أهالي مادبا:
"بعدَ 30 عاماً، ظلّت ذكراه حيةً بينَ أهالي مادبا، وكانوا ينقلونها إلى أبنائهم، برهاناً على تأثرهم به وعرفاناً بالجميل للعمل الكثيرِ الذي عمله من أجلِ مادبا".
من الأكيد بالنسبةِ لمن يكتب تاريخ رعايا البطريركية اللاتينية، أنَّ مُرسلينَ أقوياء وقديسين كالأب مانفريدي، هم الذينَ أسّسوا في العمق رعايا الابرشية؛ منهم، ابونا حنا (جان موريتان) في بيت جالا وبيت ساحور والسلط؛ أبونا اسكندر في الكرك؛ ابونا يوسف (جاتّي) وأبونا أنطون (عبد ربه) في السلط، الذي ماتَ من نفس المرض الذي كان سبب موت الأب منفريدي البطولي في مادبا.
*******
Transponder large
الأب يوسف منفريدي Father Youssef Mnfaridi
(1891-1904) (1891-1904)
بعدَ توالي كهنة الرعايا الثلاثةَ الأوائِل؛ البدوي الأب بولس، وضعيف القلب الأب سارينا، والرجلُ القوي الأب بيفير، وصلَ إلى مادبا مُرسَلٌ عظيم الشأن، رجلٌ كامل الأوصاف، كانت مادبا بحاجةٍ إليه حتى تستقرَّ نهائياً. هذا المُرسل هو الأب يوسف منفريدي، رجلُ الله، الذكي، الشجاع، الفَطِن، المثَقَّف، حتى أنه كانَ عالمَ آثارٍ حقيقي. After the succession of the priests of the first three subjects; Bedouin father Paul, the father's heart is weak and Sarena, strong man and the father Biver, the Madaba sender to great effect, a full description, Madaba was needed until the final. This is the sender Mnfaridi father Joseph, a man of God, intelligent, courageous, one who, educated, so that the real world effects. قامَ بإنجازِ عمل البناء الذي بدأه الأب بيفير، وقد جهّزَ الرعية بكنيسةٍ صغيرةٍ مُعتبَرة، وثبَّتَ راهبات الوردية، وعملَ على تربيةِ مسيحيينَ صالحين من أغلبية المؤمنين. The completion of the construction work started by the father Biver, has equipped a small parish church, saying, found the Sisters of the Rose, and the work to raise the majority of good Christians believers. ولكنه وقعَ مثلَ الأب بيفير تحتَ هجمات الحمايدة وبني صخر، الذين كانوا يهدّدونَ وجودَ مادبا. But it had taken place, such as the father under the Biver Alhamaidp attacks and Beni Sakhr, who were threatening the existence of Madaba.
إستعدادِ المُرسَل: The willingness of the addressee:
ولدَ في مدينة ماندوفي Mondovi في مقاطعة البيمونتى Piemonte ،في ايطاليا في السابع والعشرين من شهرِ أيار لعامِ 1863، من عائلةٍ مسيحية. Born in the town of Mondovi in the province of Mandovi Albimonty Piemonte, in Italy in the twenty-seventh of the month of May of 1863, of the Christian family. كانَ والده يملك مصنعاً مهماً، وقد ورثَ عنه قوةَ الشخصية وكفاءة العمل العالية، مع رهافة الحِس والمودّة التي كسبهما من والدته. His father owns a factory, whatever, has inherited his strength of character and high work efficiency with sensitivity and affection, which Ksabhma of the mother. وبخلاف الأب بيفير الذي كانَ فيما سبق صبياً وشاباَ مشاغباً، كان يوسف منفريدي ولداً تقيّاً هادئاً تربّى على النعومةِ والدراسة، دونَ أيِّ شعورٍ بالغرور بسبب وضعِ عائلته الاجتماعي. استغرب والداه عندما أعرب لهما عن دعوته الارسالية في نهاية فترة الاكليريكية الكبرى. وإذا كانَ الأسقفُ قد رضيَ بذلك بسرعة، فانَّ اباهُ قد خضع للأمر بصعوبة، نزولاً عندَ إلحاحاتِهِ المستمرة. Unlike the father Biver, who was previously a boy and young hooligans, Mnfaridi Yusuf was born and raised in the holy calm, soft and study, without any sense of arrogance because of his social status. Expressed amazement when he and his parents to call on consignment at the end of the major ecclesiastical. If the bishop had been pleased so quickly, the father has been the difficulty of the order, at the Ilhahath continuing.
في الرابع من شهر تشرينَ الأول عامَ 1886 دخلَ معهدَ Brignole-Sale في Gênes للارساليات الأجنبية. وقد افتُتِحَ هذا المعهد في الحادي عشر من شباط عامَ 1855 تحتَ رعاية رئيس أساقفة Chervaz ، سيادة المطران Dupanloup ، والمرافقين؛ أسقف Orléans والسيد اسطفانوس، الرئيس العام لرهبنة العازريين، الذين وصلوا إلى Gênes أثناءَ حياةِ القديس منصور ده بول. On the fourth of October 1886 entered the Institute of Brignole-Sale in Gênes for foreign missionaries. The Institute opened in ten of the atheist in February 1855 under the auspices of the Archbishop of Chervaz, Bishop Dupanloup, and affiliates; Orléans, Mr. Bishop pointed out, President-General of the convent Azrien , who arrived in Gênes during the life of Saint Paul de Mansour.
كانت هذه المؤسسة منبتاً لأوائل المُرسلين الايطاليين للبطريركية اللاتينية. This was the breeding ground for the early institution sent the Italians to the Latin Patriarchate. حيثُ وجدَ فيها البطريرك فاليركا عام 1858 الأب Uhlenbrock ، الألماني الذي توفي كاهن رعية الطيبة، والأب بلّوني Belloni عام 1859؛ وفي عام 1860 الأب منصور براكّو الذي أصبح أسقفا مساعداً له على عمر الحادية والثلاثين والذي سوف يخلفه فيما بعد كبطريرك عام 1873؛ والأب Gatti عام 1865 كاهن رعية السلط فيما بعد؛ والأب Piccardo عام 1870؛ والأب Villanis و Navoni عام 1874 والأب Garello عام 1895. Found where the Patriarch in 1858 Valerka father Uhlenbrock, the German, who died the good Priest, Father Bloni Belloni 1859; In 1860 the father Mansour Brako bishop who became his assistant on the age of thirty-first session and who will succeed him later Kptrerk 1873; and the father of Gatti 1865 Priest Salt later; father and Piccardo 1870; and the father and Villanis Navoni 1874 Garello and father in 1895.
وكما هي الحال بالنسبةِ لأسلافه الأجانب، أمضى الأب منفريدي بِضعَةَ اشهرٍ في المعهد الاكليريكي البطريركي لدراسة اللغةَ العربية، ثم مارس ما تعلّمه عندما تعيّن مساعِداً عند الأب لويس بيكاردو Louis Piccardo ، كاهن السلط الذي سيصبح أسقفاً مساعداً من عام 1902 إلى عام 1917. As is the case with his predecessors aliens, Mnfaridi father spent a few months in the Patriarchal Institute Alaclerreqi to study the Arabic language, and then March, when he had learned as an assistant at the father of Louis Bicardo Louis Piccardo, Salt priest, who will become an assistant bishop from 1902 to 1917. وقد امضى ستّةَ عشرَ شهراً في مدرسةِ هذا المرسل القوي الفطِن، في الرعية الأم لشرق الأردن التي افتُتِحَت في عام 1866. He spent six months in a school that sent a strong one who, in the mother parish of East Jordan, which opened in 1866. فقد كانت السلط هي العاصمة الادارية زمن الحكم التركي في شرق الأردن وخاصةً في البلقاء، وكان مركز القائمقام والمحافظ التابع آنذاك لباشا نابلس. Salt has been the administrative capital is the time of Turkish rule in the east of Jordan, especially in the Balqa, and was the center of the district office and the governor of Nablus at the time for Pasha. في السلط، تعلّمَ الاب يوسف أصول التعامل مع الادراة التركية واكتشف أهمية البخشيش من أعلى السلّم التركي إلى اسفله. In Salt, Father Joseph learning to deal with the assets of the Turkish administration and discovered the importance of Albkhchic from the top of the Turkish peace underneath.
كاهن رعية في مادبا عام 1891 Priest in 1891 in Madaba
وصل الأب منفريدي إلى مادبا في 17 كانون الثاني 1891. Mnfaridi father arrived to Madaba in January 17, 1891. وكانَ الأب بيفير في انتظاره لكي يسلّمه مهامه ويقدّمه إلى شخصيات الرعية الصعبين: شيخ العزيزات صالح مرار، والمختار يعقوب الشويحات، والشاب ذا الطبع الناري ابراهيم الطوال، والذي توصّلَ في النهاية الى تهدئته. Biver and the father was waiting for him with his duties and to submit it to the difficult issues the parish figures: Sheikh Saleh Aezzizzat repeatedly, and Jacob Shuweihat chosen, and the young version of a firearm Ibrahim Tawal, which eventually reached to comfort him.
اصطحبَ الأب بيفير معه إلى الطابغة، شمالَ بحيرة طبريا، صديقَه العزيز السيد يوسف ويناند، الذي كان قد ساعده كثيراً في مصاعبه الماديةٍ الجمّة. Biver father escorted him to the Altabgp, north of Lake Tiberias, dear friend, Mr. Yusuf and Winand, who had greatly helped him in great physical difficulties. غادرَ الاثنان الى الطابغة بحثاً عن مكان أكثرَ هدوءاً، وأقلّ عملاً، وأكثر رحمة في فصل الشتاءٍ. They left Altabgp to place in search of more tranquil, less work, and more at the mercy of the winter season. لكنَّ بدو الجليل، وموظفي المقاطعة الأتراك، وفصل الصيف الرطب وخطر الملاريا الذي كانوا يهربون منه إلى الرامة، كل ذلك انهك صحّتهما. But the Bedouins of Galilee, and the staff of the Turkish province, and the wet summer and the risk of malaria, which they were fleeing to the Rama, all that has bedeviled health.
وفي المقابل، فانّ الأشهرَ التي قضاها الأب منفريدي في السلط، وما كانَ يسمعه عن مادبا، أعطته فكرة واضحة عما كان ينتظره فيها. مانَ مستعداً لذلك، كما نقرأ في رسالةٍ بعثها إلى أخيه الذي أبلغَه عن زواجه في اللحظةِ التي كان يكتبُ فيها رسالَتَه. In contrast, the months spent in the Salt Mnfaridi father, and was heard on the Madaba, given a clear idea of what was waiting for it. Man is prepared to do this, as we read in a letter sent to his brother, who told him about his marriage at the moment, which was written in his letter.
" وأنا ايضاً أتزوج. وإن أردت أن تعرف اسم عروستي، فهو مادبا. لا أعرفها بعد وهي تبعُدُ عن السلط مسيرة يومٍ على الحِصان. أعرف من سُمعتها أنها صعبة. عليَّ أن أذهب إليها في بدايةِ شهر تشرين الثاني. مادبا الآن في حالةِ حربٍ معَ إحدى القبائل المجاورة؛ وما كاد السِلمُ ينتهي، حتي اندلعت حرب أخرى مع قبيلة تريد الأخذ بالثأر. لذا طُلِبَ مني الآن أن لا أتحرك. "I also get married. If you want to know the name Arosti is Madaba. I know not, after a march from the authorities on the horse. I know of the reputation that it is difficult. I have to go to in the beginning of the month of November. Madaba is now in a state of war with a neighboring tribes; peace and almost completed, so another war broke out with the tribe wants to take revenge. So now I was asked not to move.
وبالرغم من كلِّ ذلك، فأنا احبُّ رعيتي مادبا... ما الذي تخبئهُ لي؟ In spite of all this, I love the two Madaba ... What do I have? عالَماً كاملاً من البؤس المادي والأخلاقي… وماذا أحملُ أنا لها؟ كمّاً كبيراً من الصبر والمحبةِ المسيحية التي تجعلُ المُرّ حلواً، والحِمْلٍ الثقيلٍ خفيفاً ومحبوبا، والألمً – حتى الموت – أمراً مرغوباً في سبيل المؤمنين. A world full of misery, physical and moral ... and what I bring to it? A great deal of patience and love which makes Christian Murr came, pregnancy and loved the heavy light, and pain - even death - is desirable for the believers. مادبا قرية في وسط الصحراء، تحيط بها قبائل بدوية غير متحضّرة. Madaba village in the middle of the desert, the Bedouin tribes of the uncivilized. لذا، مادبا رعية صعبة وقاسية… اما انا فسأواجه الصعوباتَ بايمان. Therefore, the diocese of Madaba is difficult and tough ... I Vsousband difficulties in faith. لم أرغبُ يوماً إلاّ في بذلِ آخرِ نقطةٍ من دمي في سبيلها. Days but did not want to make the last point of my blood in the process. ولكنَّ الشهادةَ نعمةٌ عظيمةٌ لا يمنحها الله إلاّ للقديسين!". But the certificate is a great blessing that God gives only to Kadisin! ".
وجد الأب منفريدي في مادبا الأب اسكندَر، الذي ترك الكرك بسبب أوضاع لم تعد تطاق. Found in the father Mnfaridi Father Iskandar Madaba, Karak, who left because of the conditions is no longer unbearable. وكان حضوره مفيدا جداً لمساعدة الاب يوسف في تبشير ابناء الرعية بشكل جدي. His presence is very useful to help Father Joseph sons of the parish preaching seriously. وكما كانت الحال عند وصول الأب بيفير عامَ 1886، وجدَ الاب يوسف منفريدي مادبا مليئة بالغليان القبلي. As was the case when the arrival of the father Biver in 1886, he found Father Joseph Mnfaridi tribal boiling full of Madaba.
حرب البلقاوية في عام 1891 Albulquaouip war in 1891
سنة 1891 دارت الحرب بين قبائل الحمايدة والعدوان، جنوبي مادبا. Year 1891 the war between the tribes Alhamaidp aggression, south of Madaba. وجدت مادبا نفسها وسط الحرب رغماً عنها. Madaba and found itself in the war against her.
في شهر نيسان، كتب المُرسَلُ يتذمّر من وضع الحربِ هذا ومن عدم قدرته على استقبال ضيوفه المُزعجين، شيوخِ قبائلِ البلقاء: In the month of April, the sender wrote a complain about the war is not being able to receive guests irksome, elders Balqa:
" نحن الآن في فترةُ حربٍ دائمة بينَ قبيلتين، معَ ما يتبع ذلك عادة من نهب وسلب، علاوةً على الجرحى والقتلى. انَّ حِقدَ المسلمين على المسيحيين يجعلَ حياةَ مسيحيي مادبا صعبةً جداً وغيرَ آمنة. فقبل يومين، قتل شخصٍ أرثوذوكسيّ بدوياً كان قد أثاره، وأوشك ذلك على وضعَ وجودَ مادبا في خطر. "We are now in a period of perpetual war between two tribes, with the usually followed by looting, in addition to the wounded and the dead. The hatred of Christians, Muslims, Christians Madaba makes life very difficult and unsafe. Two days ago, one person was killed Orthodox Bedouin had been raised, and about on the development and existence of Madaba in danger.
وبهذه المناسبة اجتمعَ عندي شيوخُ قبائل البلقاء (الأمر الذي كلَّفني 6 ليرات مجيدي، ومن الممكن أن يكونَ ثمنَ استقبالِ الناس أكثرَ من ذلك). On this occasion, I met the elders of the tribes Balqa (which put me in 6 lira Majidi, and it is possible that the cost of people receiving more than that). تحقّقتُ حينها من نقصٍ خطيرٍ في دير الكاهن. Been a serious lack of time in the monastery of the priest. فلم يكن في ممرِ الديوان إلاّ مقعدٌ واحد، يتَّسِعُ لثلاثةِ اشخاصٍ فقط ولم يكن في البيت إلاّ أربعةُ مقاعدَ ليست صالحة. It was not in the corridor of office only one seat, room for three people, not only in the home only four seats are not valid. لذا جلس الشيوخَ على الأرض دونَ سجادٍ ولا حصيرة. Therefore, the Senate sat on the ground without a mat or carpet. لهذا السبب أطلبَ منكم أن تؤمّن لي البطريركية أربعةَ مقاعدَ طويلة (دونِ ظهر، إثنانِ منهم بمقاس 54و2متر، واثنان بمقاس 35و1متر، بعرض 30 سنتمتر، على أن يكونَ ذلك مجانا، لأنَّ راتبَ الأشهر الثلاثة قد نفذَ". That is why I ask you to believe me, the Patriarchate of four seats in a long (not shown, two of them size 54 and 2 meters, and two size 35 and 1 m, the offer of 30 cm, to be free of charge, because the salary of three months was carried out. "
موضوع الأراضي The subject land
في فترة غاب فيها البطريرك بيافي Piavi ، توجّهَ الاب منفريدي في نيسان 1891 إلى مساعده، المونسنيور أبوديا Pascal Appodia ، الذي كرّسه البطريرك أسقفاً في 8 آذار السابق، قبلَ مغادرته. In the absence of Patriarch Niy Piavi, directed by Father Mnfaridi in April 1891 to his assistant, Monsignor Dayya Pascal Appodia, sanctified by the Patriarch bishop in the previous March 8, before his departure. تكلّمَ المُرسَلُ في رسالته عن العوائق الكبيرة التي تسبّبها أراضي الرعية، مع أن حدودها كانت واضحة منذ زمن الأب بيفير. The addressee in his letter spoke of the enormous obstacles caused by the territory of the parish, with borders that were clear at the time of the father Biver. وتطرّقَ إلى موضوع المقبرة الواقعة غربَ التلّة، حيثُ شيدَت أبنية الرعية، والى أرض الحِنو على بعدِ نصفِ كيلومتر إلى الجنوب الشرقي، وإلى أرض جِلول في الشرق، وأرض التيم في الجنوب الغربي وحنينا في الشمال. Turning to the topic of the cemetery to the west of the hill, where the parish buildings were constructed, and compassion to the land, half a kilometer to the south-east, and to the ground in the Middle Jaloul, Tim and land in the south-west and Hanina in the north.
كان أمرُ تأجيرِ تلك الأراضي إلى أهالي مادبا مصدرَ إزعاجٍ مستمرٍ للمُرسَل. He is renting that land to the people of Madaba constant source of inconvenience to the addressee. طالب الأب منفريدي بحلًّ يريحه من المسؤوليات المادية ويسمح له بالتفرّغِ الكامل لأمور الرعية. ولمّا لم يكن للأب منفريدي مساعداً كما كان السيد فينانت للأب بيفير، فقد طلب تسليم الادارة إلى رجلٍ ثقة ترسله البطريركية. Asked the father Mnfaridi relieve him of the responsibility to dissolve the material and allow him to cut things to the full parish. In the absence of the father as an assistant Mnfaridi Mr. Venant was the father Biver, has asked the administration to hand over to a trust file Patriarchate.
وفي أثناء ذلك أجِّر، وفق اتِّفاقيةٍ رسمية، لشخصين مهمّين هما الشيخ صالح مرار والمختارُ يعقوب الشويحات، والذين انضمّ اليهم فيما بعد المقاتل الشرس ابراهيم الطوال، أرضَ التيم بـ 100 مجيدي لكلِّ سنتين، وذلك لينتهي من الضغوطات المزعجة لشيخ الحمايدة قفطان: In the course of this payment, according to an official agreement, the two are important, and Sheikh Saleh repeatedly chosen Shuweihat Jacob, who was later joined by the fierce warrior Tawal Ibrahim, the land of Tim b Majidi 100 for each of two years, in order to end the disturbing pressure of Sheikh Alhamaidp Qaftan:
"في السنتين الماضيتين حصّلت بصعوبة 60 مجيدي بعد تعب ووجعِ رأس أثمن من جميع النقود. ثم أن هنالك الشيخ قفطان المزعج الذي كلّفنا السنة الماضية 100 فرانك، والذي صادر هذه السنة محراثاً. يريد هذا البدوي بخشيشا سنويا، وهو لا يزال يهدّدُ ولا يكف عن إزعاجنا. وبتوكيل أرضِ التيم إلى عشيرة العزيزات، فهم يعرفون كيف يدافعون عن حدودها من البدو، فهم يقومون بذلك أفضلَ منا، وبهذا نكون قد تجنبنا المصاريفَ والمشاكِل". "In the past two years had barely 60 Majidi after headache and tiredness the most precious of all the money. Then there is the disturbing Qaftan Sheikh last year, which cost 100 Frank, and by this year's forge. Bkhchiha Badawi wants this year, which continues to threaten not stop Izaaajna . and to represent the land of Tim Aezzizzat to the clan, they know how to defend the borders of the nomads, so they are better than us, so we have avoided the costs and problems. "
ولكن كما قالَ الاب يوسف سابقا، فهو يريد حلاً جذريا لموضوع الأراضي كي يُحرِّرَ الرعية نهائيا من الهموم الزمنية. But, as Father Joseph said earlier, he wants a comprehensive solution to the issue of free land to the parish once and for all of the concerns of time.
بناء وعمار Building and Ammar
شعر الاب منفريدي كما شعر قبله الأب بيفير، بالضيق في الكنيسةِ الصغيرة الأولى التي بناها الأب بولس تحت الأرض، دون نوافذ سوى ثقوب ثلاثة مفتوحة على شكلِ هوّة في الشمال، والتي كان تهدد بالسقوط من كلِّ جانب. Father was also felt Mnfaridi Biver father before him, the malaise in the first small church built by Father Paul underground, without windows, only three holes in the form of an open gap in the north, which was threatening to fall on each side. وقد وصفها وصفا دقيقا أتمّ به وصف الأب بيفير السابق. Has been described fully and accurately described by the description of the father of former Biver. ولم يكن باستطاعة هذا الأخير إلاّ بناء الجناح الشرقي، وهو عبارة عن ثلاثِ غرفٍ وممر إلى الجهة الغربية، معَ غرفٍ أرضية في السفل لدعمِ أساس الغرف العُليا. ولكنَّ الاب بيفيرلم يكن لديه الوقت الكافي لتبليط السطح. Could not only at the latter's eastern wing, with three rooms and a corridor to the West, with rooms in the ground to support the basis of Marasmus Garrets. Biverlm Father, but not have enough time for the paving of the surface.
وتبعاً لمخطّط الأب باربيرس Barberis ، مهندس البطريركية، فقد ارادَ الأب منفريدي ايضاً بناءَ غرفتين غرب الممر، ومن ثمَّ بناءَ كنيسةٍ صغيرة، واسعةٍ ومقبولة، تشكِّل جناحاً غربيا للدير. اراد بناءَ غرفتين مُقبَّبتين؛ وعندَ الحصول على الرخصة الضرورية لبناءِ مكانٍ للعبادة، فانه سيكون من السهل ضَمّ الغرفتين وجعلهما كنيسةِ، في انتظارِ بناءِ كنيسةٍ رسمية. Accordingly, the father of the scheme Barbers Barberis, the architect of the Patriarchate, the father Mnfaridi also wanted to build two rooms west of the corridor, and then build a chapel, a large and unacceptable, the western wing of the monastery. Mqubptin wants to build two rooms; and when necessary to obtain the license to build a place of worship, it would be easy inclusion of the two chambers and made the church, awaiting the construction of a church official.
في شباط 1892، وفي انتظارِ عودةِ البطريرك، ألحَّ الأب منفريدي على المونسنيور أبّوديا Appodia لانجازِ عملِ الأب بيفير، أي السطح والجدران، وخصوصاً لبناء الغرفتين الواسعتين المُقبَّبتين للكنيسة الصغيرة. In February 1892, pending the return of the Patriarch, the father insisted on Mnfaridi Monsignor Dayya Appodia to complete the work of the father Biver, ie the surface and the walls, especially for the construction of vast rooms of the church Almqubptin small. وكان يُعطي لذلك خمسةَ اسباب: He gives five reasons:
"السبب القوي هو سهولة البناء الآن، في بلد ما زالت دون قانون والتي تخضعُ اسميا فقط للدولةِ العثمانية. اما اذا دخل الاتراك مدينة الكرك كما تقول الاشاعات، فسنواجه المتاعب التي واجهناها في الحصن منذ سنوات. بالاضافةِ إلى ذلك، فإنَّ علاقتنا مع قائمَقام السلط جيدة، وسوف تزدادُ هذه العلاقةُ مع البخشيش. وعلينا ان نحصل الآن على رخصة البناء. من يعلم، بعد سنة، ما قد يحصلُ من تغييرات! "The reason is the ease of building strong now, in a country still without a law and only nominally under the Ottoman State. But if the Turks entered the city of Karak, according to rumors, we will face hardships that we faced in the fort for years. In addition, our relationship with the district officer of the Salt good and will increase the relationship with Albkhchic. and now we have to get the building permit. Who knows, after years, what changes might happen!
ثم أننا في هذه السنةِ نملك الماءَ اللازمَ للبناء. Then this year we have the water required for construction. وقد تكونُ السنةُ القادمةُ جافةً مما يؤدي إلى دفعِ مصاريفٍ أكثر. May be the next dry year, leading to more charges. وقد حصل هذا مع الأب بيفير إذ دفعَ 1000 فرانك زيادة. That is what happened with the father as the payment of Biver 1000 Frank increase.
أصبح ثمنَ الحجارةِ القديمة مرتفعا، لأن اهالي مادبا أصبحوا يستعملونها لبناءهم المتزايد يوماً بعدَ يوم. Become a high price for the old stones, because the people of Madaba are used to structure the growing day by day. وان انتظرنا سنضطرّ الى شراء قطعة أرضٍ لكي نقيمَ عليها محجراً. We waited and we will have to buy a piece of land in order to assess the quarry.
لقد آلَ بناءُ الأب بولس عام 1883 إلى السقوط. وقد اضطّررت الى إخراجُ البناتِ من صفوفهم خوفاً من انهيارها عليهنّ من الجوانب الثلاثة. لذلك لا بدّ من بناءُ صفوفٍ جديدة. The Al-building father Paul in 1883 to the fall. I have to remove girls from their classrooms for fear of collapse of their three aspects. Therefore it is necessary to build new classrooms.
وبهذه المُناسبة يجب أن نُنهي سكنَ الكاهن الحالي والذي تركَه الاب بيفر غيرَ مكتمل، إذ لم يُبَلِّط السطح. On this occasion, we must end the current residence, which the priest, Father Beaver left incomplete, since not Iblt surface. وأنا على هذه الحال منذ أربعِ سنوات، الأمر الذي يُلحق الضرر بالبيت وساكنيه بسببِ الرطوبةِ الشديدة التي تخترقُ القُبَّة والجدران. I am on this case four years ago, to the detriment of the house and its occupants because of high humidity, which penetrates the dome and walls.
هذه، أيها المونسنيور، هي الأسباب التي جعلتني أطلبُ البناء، وفي هذه السنة إن أمكن". These, my Archbishop, are the reasons that made me ask the building, and this year if possible. "
عادَ بعدَ اسبوعٍ إلى الكلام عن نفس الموضوع بعد أن علم بعودة البطريرك. Returned after a week to speak on the same subject after learning the return of the Patriarch. وقد طلب من الاسقف المساعد أن يدعمَ طلبه في البناء امامَ البطريرك Piavi . The request from the Assistant Bishop to support his request to build in front of the Patriarch Piavi. كما أخبرَ الأسقفَ أنَّ اصدقاءه المُحسنين الايطاليين الذين التمسَ منهم المساعدة، قد أمّنوا له 5000 فرانك، وصلَ منهم النصف، والنصفُ الآخركان في الطريق. Bishop also told friends that the doers of the Italians who sought their assistance, had secured a 5000 Frank, half of them arrived, Alakrcan and a half on the road. وقدّرَ أنَّ إصلاحَ السطح وبناءَ الكنيسة سيصل الى 10000فرنك. And to the extent that the reform of the church building and the roof will reach 10000 francs. وحَسَبَ أنَّ البطريرك سيزوِّده بـالـ5000 فرنك المتبقية. وان كان الجواب ايحابيا، فإنه سيقدم إلى القدس كي يدرسَ مشروعَ الكنيسةِ مع الأب Barberis . According to provide the Special Rapporteur that the patriarch Bal 5000 francs remaining. And the answer is a positive, it will be submitted to the Jerusalem church to examine the draft with the father Barberis.
في أيار أعاد الكرّة في الكلام عن بناء الكنيسة الضرورية. In May, the ball is in the talk about building the church necessary. وقد نصحوه بالمُضيِّ قُدُماً مع الاذن الذي حصلَ عليه من الأب بيفير من قبل، مع العلم أنَّ البخشيش سيحلُّ كلَّ صعوبةٍ قد تظهر! Have been advised to move forward with the permission he received from the father by Biver, knowing that each and every difficulty will Albkhchic may appear! كان يجب أن يسرع عليه في البدء في العمل، لأن الاشاعات كانت تتكلم عن إحتلالٍ تُركي وشيك للكرك. It should accelerate in the commencement of work, because the rumors speak of an imminent Turkish invasion of Karak.
ولكن في اللحظةِ التي كان فيها المُرسَلُ على وشك البدء بالبناء، هبّت عاصفةٌ مُروِعة، فقد شنِ بنو صخر على مادبا هجوما أشدَّ من هجوم سنة 1887، الأمر الذي هدّد الوجود المسيحي في مادبا. But at the moment in which the sender is about to begin construction, a terrible storm, the Bani Sakhr launched an attack on the Madaba most of a year 1887, which threatened the Christian presence in the Madaba.
نحوَ حصارٍ دامَ 35 يوماً: About the siege lasted 35 days:
في نهاية ربيع عام 1892، نصب عددٌ من الصخور خيامهِم ووضعوا جِمالهم بالقربِ من الأراضي المسيحية. At the end of the spring of 1892, a number of rocks and placed their tents near the beautiful land of Christianity. حدثت مناوشات قبلية ظهر بنو صخر فيها مليئين عداوة وحقدا على مسيحيي مادبا. فعاملوهم بقسوةٍ وجرحوا الكثيرين منهم. وكانوا ينتظرون موسمَ الحصادِ كي يكشروا عن انيابيهم، عالمين أنهم بعيدون عن تدخُّلِ الأتراك، لأن هؤلاء كانوا بعيدين وكانوا بحاجةٍ إلى خدماتهم لقطع الصحراء أثناء رحلة الحج السنوية من دمشقَ إلى مكة. Tribal skirmishes occurred on the Bani Sakhr full of enmity and hatred to the Christians of Madaba. Familohm severely injured and many of them. They were waiting for the harvest season to Ekshroa for Anyabehm, knowing that they are far from the Turkish intervention, because they were far away and they need to cut services to the desert during the annual pilgrimage from Damascus to Mecca.
إلاّ أنَّ بداية حربٍ جديدة، شبيه بتلك التي حصلت في حزيران عام 1887، حدثت في مادبا نفسها. فقد تشاجر شخصٌ من بني صخر من عائلة حامد في مع أحدِ أشخاصِ اللاتين اسمه جريس غيشان، والذي قالَ عنه كاهنَ الرعية أنّ الدين، بالنسبةِ له، يأتي في الدرجةِ الرابعة بعدَ فرسه ورُمحِه وبندقيتِه. The beginning of a new war, similar to those that took place in June 1887, in Madaba itself. Quarreled people have built from the rock of the family of Hamed in persons with a Latin name Gishan Grace, who said his parish priest of that religion, for him, is in the fourth degree after his horse and spear and a gun. وعندما هدّد الصخريُ ّ جريسَ بسيفِه، قام هذا الأخيرُ بالدفاعِ عن نفسه وأطلقِ نار البندقية عليه فأسقطه قتيلاً. And when he threatened to rock Grace Bsifa, the latter to defend himself and fired the gun fire by Vosagth people. كان ذلك نحوَ الساعة الثانيةِ بعدَ الظهر، وهو الوقت الذي كان فيه معظمُ رجال مادبا في الحصاد قُربَ التيم، قريباً من خيام عائلة حامد، لدرجةِ أنه This was at about two in the afternoon, a time when most men in the harvest near Madaba Tim, close to the tents, Hamid's family, to the extent that
"لو لم يحمنا الله، لقامت مذبحة. فقبلَ وصولِ خبرِ القتلِ إلى بني صخر، كان المسيحييون قد عادوا بيوتهم. "If God did not Ihamna, for the massacre. Before the arrival of news of the killings to the Beni Sakhr, the Alchristiyon had returned home.
وبعدَ مرورِ ساعةٍ أُعلنت الحربُ. After an hour declared war. كانت مادبا قد تسلّحت بانتظار الهجوم، بعدَ أن تم تأمين الأطفالِ في الدير الذي أصبح حصناً. Madaba has been waiting for armed attack, having been secured in the monastery, which has become a fortress.
لكن الظاهر أنّ عائلة حامد الضعيفة لم تستطع تجميع باقي عائلات بني صخر؛ لذا يكن أمامهم إلاّ مهاجمتنا منعزلين. But Hamid's family appears to be vulnerable have not been able to compile the rest of the families of Beni Sakhr; therefore not only to attack them isolated. فكانوا يجولون في السهل، يطلقون الرصاص بدونِ نتيجة. They roam on the plain, shooting without a result. حاولَ بنو حامد المُخيّمون في التيم إشعالَ النيرانِ في محاصيلِنا، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك. إلاّ أنه عندَ هروبِ جماعتنا أصيبَ ستةُ رجالٍ إثرَ إطلاق النار، وترك آخرون ثيابهم أثناء الهرب. Bani Hamid tried Campers in Tim fires in our crops, but they have not been able to do so. Nevertheless, when our flight was six men were shot, leaving their clothes while others escape. وعند غروب الشمس، ذُبِحَ ولدٌ مسلمٌ ظنّ المهاجمون انه مسيحي". At sunset, the slaughter was born a Muslim attackers thought he was a Christian. "
بدأ حصارُ مادبا. Began the siege of Madaba. يوم الجمعة 10 حزيران، حاولَ شيوخ القبائل الصديقة للرعية عبثاً الحصول على العطوة المُتعارفُ عليها في حالة القتل. سُمح للمسيحيين أن يعمل العُمّال المسلمون في أراضيهم وقتَ المواسم، وكانت جمال بني صخر تسرح فيها وتمرح. Friday, June 10, tried to tribal elders of the diocese of friends in vain to obtain Attop accepted in the case of murder. Allowed the Christians to Muslim workers at the time of their seasons, and the Beni Sakhr, Jamal disbanded and Tmrah. وقد حدثَ بالصدفة أنّ ثُلّةً من الجنود أتوا السلط ولم يكونوا يعلمون شيئا عما حدث. There has been a coincidence that a group of soldiers came authorities were not unaware of what had happened. لكنهم لم يجسروا على مواجهة بني صخر الذين طردوا- بخلاف وعدهم- الحصّادين المسلمين من اراضي المسيحيين. وطيلة يوم سبت، حال اغلاق المدينة دون إعلام السلط بما حدث. But they did not Iggsroa built on the rock face of those who have been expelled - other than the promise - Alhsadin Muslims from the land of Christians. Throughout Saturday, the city closed the case without informing the authorities of what had happened. ولحسن الحظ تدخّل الشيخ طلال الفايز، زعيم بني صخر، وهو صديق الرعيّة: Fortunately, the intervention of Sheikh Talal Al Fayez, the leader of Bani Sakhr, a friend of the parish:
"كان هذا أخ المرحوم الشيخ صطّام العدائي، وكان الرجل الوحيد اللطيف بين جميع النصّابين الذين يحملون لقب "شيخ"؛ وقد تسلّمَ لقبَ مدير، وكان يحظي بتقدير الحاكم. وبناء على مشورته، قامَ هذا الأخير بتحريك الامور وأرسلِ، عند الظهر، القاضي معَ بعضِ الأفنديين وخمسةً وعشرينَ جندياً. وقد أسكنتُ القاضي والموظفينَ عندنا آملاً في تقريبهم منا، ولكني أدركتُ لاحقاً أنهم كانوا مليئينَ كراهيةً للإسم المسيحي". "This was a brother of the late Sheikh Stam hostile, and was the only man among all gentle with those who adopt the title of" chief "; has received the title of Director, and was appreciated by the Governor. And upon the advice, the latter moving things, and sent, at noon, with some of the judge Aloffendiin and twenty-five soldiers. Oskint The Judge and staff, we have hope in Tqribem us, but I realized later that they were full of hatred of the Christian name. "
منذُ وصولهم للتحرّي عما حدث، كان جريس الغيشان قد هرب. Since their arrival, to investigate what happened, it was Grace Algishan escaped. استجوب الضُبّاطُ الجرحى واستشاطوا غضباً ضدَّ المسيحيين، وتحدّثوا عن تدميرِ مادبا التي قتلت إثنينِ من المسلمين: ذاك الذي قتله جريس الغيشان والشاب الذي قتله بنو صخر لانهم اعتقدوا انه مسيحي! Officers questioned the wounded and enraged against the Christians, and talked about the destruction of Madaba, which killed two Muslims: that the murder of Grace, the young man who Algishan Bani Sakhr kill him because they thought he was a Christian! وفي أثناء الاستجواب، سُمِعَت أصوات تدعو إلى التسلُّح وأصواتَ تراشقِ رصاص. During the interrogation, heard the voices calling for the exchange of arms and voices lead. جمَّعَ الضابطُ رجالَه المتفرقين، بنفخةِ بوق، مما أدّى إلى ابتعادِ المُهاجمين. Collection officer, his men dispersed, Bnfajp trumpet, leading to the attackers away.
"في الليلةِ ذاتِها (ليلة السبت على الأحد)، وعلى بُعدِ مسافةٍ قليلة من مادبا، اتفق عدّةِ شيوخٍ من القبائل المجاورة، والذين أرفق إليكم لائحة بأسمائهم، وهم قُطّاعُ طرقِ مشهورون، وحرّضوا البدو ضِدّنا. وقد عقدوا الاتفاقَ على البقاءِ مُتَّحدينَ حتى إفناءِ المسيحيين"! "In the same night (Saturday night to Sunday), and the distance of a few of Madaba, it was agreed a number of elders from the neighboring tribes, who enclose you a list of their names, who are notorious for bandits, nomads and abetted against us. They have agreed to remain united until the annihilation of Christians" !
يومَ الاثنين الموافق 13 حزيران، تركَ القاضي والأفنديون والجنودُ مادبا لكي يواجهوا شيخَ بني حامد الذي كان قد رفضَ المجيء. وأثناء ذلك، وأمامَ عيونِ الجنود، سرق رجالُ هذا الشيخ خروفا من قطيعٍ من مادبا، وعندما طلبَ منهم القاضي إعادته، رفضوا وذبحه الشيخُ لاطعامِ زائريه! Monday, June 13, leaving the judge and Aloffendion Madaba and the soldiers built to face the Sheikh Hamid, who had refused to come. In the meantime, and before the eyes of soldiers, men of the old man stole a sheep from a flock of Madaba, and when the judge asked them to return, they refused and slaughtered to feed the visitors Sheikh !
ولمّا كان الأب منفريدي على يقينٍ من ضُعفِ الضُبّاط، ولما رأى أيضاً أنَّ بني صخرَ أخذوا قمحَ اهالي مادبا الذي كانوا قد أودعوه في المخازن- وهذه علامةٌ مقلقة - قرّرَ ان يتصرّف. As the father Mnfaridi the vulnerability of certain officers, and when he saw that the Bani Sakhr also took the wheat, the people of Madaba, which had placed him in the stores - and this is a worrying sign - he decided to act. أخذَ معه إثنين من أشهر الرماة وذهبَ متنكراً في زيِّ بدوي إلى خيمةِ صديقه الشيخ طلال. فأعطاه هذا واحداً من خدَمه ليرافقه عبرَ طُرقٍ ملتوية إلى السلط، حيثُ تشاورَ هناك مع الأب لويس كاهن الرعية والأب اسكندر الذي كان هناك هو ايضاً. Taking with him two months of the marksmen was disguised as a Bedouin tent to his friend, Sheikh Talal. But was this one of the service, accompanied by roundabout routes to the authorities, where there is consultation with the father of Louis and the parish priest Father Iskandar, who was there, too. وبغيرِ عِلمِ القائمقام، الذي لم يكن أحد يثق به، ارسل برقية إلى البطريرك والى قنصل فرنسا في دمشق، مشيراً إلى الخطر الشديد المُحدِق بمادبا، وطالباً النجدة. Without knowledge of the District, which no one had confidence in him, sent a telegram to the Patriarch and to the French consul in Damascus, referring to high-risk threat Pmadba, and called for help. وعادَ بعدَ ذلك إلى مادبا من نفس الطريق الملتوية من الشرق وبمساعدة الشيخ طلال. And later returned to Madaba of the same twisted road from the east and with the assistance of Sheikh Talal.
في مادبا، أدهش سفر الكاهن الضُبّاط الذين أرسلوا تقريراً إلى القائمقام، والذي كان قد علم بألامر بسبب التلغرافين الذين بعثهما المُرسَل إلى القدس ودمشق. In Madaba, the priest, surprised the travel of officers who sent a report to the District, which had been informed by those evoked by the consignee Allgraven to Jerusalem and Damascus. فأرسلَ فيما بعد سبعةَ جنودٍ إلى مادبا لتعزيز القوة الموجودة التي لم تعمل شيئا، خوفاُ من خَيّالة البدو الذينَ كانوا يهددونهم، والذين كانوا يحتقرونهم ويُبغضونَهم كما كانوا يحتقرون المسيحيين. Subsequently sent to the seven soldiers Madaba to strengthen the existing force, which did not do something, for fear of nomadic horsemen, who were threatened, and those who were Ihtkaronhm and Ibgdounam as they despise Christians. وكانوا يقفون بعيدين عن المدينة مسافة طلقة رصاص. They are far from the city, a distance of a shot.
"في لحظة من اللحظات، قامَ خيّالان، والد القتيل وابنه – مع قتلة الولد المسلم الذي قُتل لانهم ظنّوا انه مسيحي- وذهبوا إلى الحصّادين يطلبونَ منهم إن كانوا مسيحيين أم مسلمين.- "نحن كلنا مُسلمون، أجابَ أحدهم"،لم يقتنع المهاجمون، وأجبروهم على خلع ملابسهم والكشف عن طهورِهِم. كان معهم شابٌ مسيحي من السلط عمره 27 سنة، سليم شتيني، الذي عندما سمع طلِبِ هؤلاء الغجر وإلحاحهم، شحُب لونه وسكت. وعندَ هذا الاعتراف الضِمني، صوّبَ إليه أحدُ البدو بندقيته وأسقطه ميتاً... حدثَ كلُّ ذلك أمامَ الجنودِ وأهالي مادبا، الذين حاولوا تهريبهم بإطلاق الرصاص في الهواء، لكن الجنودَ منعوهم من ذلك، وهم أنفسهم، رفضوا إطلاقَ النار قائلين : لم نتلقّ الأوامر! فصاحَ أحدُ الضُبّاط: أقسِمُ بالله أنَّ المسيحيين مُضطهَدون من قِبَلِ العرب (البدو) في الخارجِ، ومهضوموا الحقوق من قِبَلِ الأتراك في الداخلِ، ومذبوحونَ إن تركوا المدينة"! "In a moment of moments, the Khialan, and the victim's father and his son - with the killers of a Muslim boy who was killed because they thought he was a Christian - Alhsadin and went to ask them if they are Christians or Muslims .-" We are Muslims, one of them replied, "not convinced of the attackers, and forced them to take off their clothes and disclosure Thorhm. It was with a young Christian from the 27-year-old Salt, Steini sound, which when he heard the request of the Roma and those Ilhaham, Paled and silent. In an implicit recognition of this, towards the Bedouins, a gun and dropped him dead ... All this happened in front of soldiers and the people of Madaba, who attempted smuggling of shooting in the air, but the soldiers prevented them from doing so, they themselves, who refused to fire, saying: "We have not received orders! Enough of one of the officers: I swear to God that Christians are being persecuted by the Arabs (Bedouins) abroad, Mhioumoua rights by the Turkish at home, Mzbouhon that left the city! "
يومَ الخميس 16 حزيران، أخبر القائمقام أنه ينوى القدوم الى مادبا. Thursday, June 16, told the Mayor that he intends to come to Madaba. فذهبَ كلُّ ضُبَّاطِه ونصفُ جنوده لملاقاته في أم العمد. Went all the officers and half the soldiers in his meeting or manslaughter. لكنه عند المساء، بدلاً من النزول في مادبا، توقف عندَ خيامِ صاحبه مناوِر في جلول، حيث كان يشعرَ بحرية أكبرَ للتعاملِ مع بني صخر. But in the evening, rather than get off at Madaba, the author stopped at the tents in Jaloul manipulator, where he felt more free to deal with the Beni Sakhr. وفي هذه الأثناءِ، أمسك الجنودُ الذينَ بقوا في مادبا بأحدِ أعدائهم الرئيسيين، لكنهم ما لبثوا أن أطلقوا سبيله. In the meantime, catch the soldiers who remained in the Madaba one of the main enemies, but they are nevertheless fired him.
يومَ السبت 18 حزيران، وصلَ القائم مقام أخيراً إلى مادبا. On Saturday, June 18, the caretaker finally arrived to Madaba. وبدلاً من أن يقفَ ضدَّ بني صخرَ أصحابَه، أرسلَ في الثالث والعشرين من حزيران جنودَه لأخذ الضريبةَ من الحمايدة المتمرّدين. Instead of standing against the Bani Sakhr owners, send in the twenty-third of the soldiers to take the June tax Alhamaidp rebels. لكنَّ هذه العملية شكّلت خطرا على مسيحيي مادبا، لانه أجبر ثلاثةً منهم على قيادة الجنود. But this process was a threat to the Christians of Madaba, because he is forced to lead the three of them soldiers. ولمّا لم يتمكّن هؤلاء من إستلامِ شيءٍ من الحمايدة، نهبوا الماعزِ والماشية. Since they have not been able to receive some Alhamaidp, goats and cattle looted. وفي طريق عودتهم هاجمهم 15 شخصاً من الحمايدة؛ وقد قُتِلَ أربعةٌ منهم وجنديّ في تلك الواقعة. On their way back they were attacked by 15 people from Alhamaidp; four of them have been killed and a soldier in the incident.
وفي نهاية شهرِ حزيران، وتحتَ ضغطِ وإلحاحِ البطريرك وقناصلة القدس ودمشق، قامَ متصرِّفُ حوران، وكان مسؤولاً آنذاك عن شرق الأردن وشمالها والبلقاء، بزيارة الى مادبا معَ خمسينَ جندياً وثلَّةٍ من 160 بدويا، كان على مادبا أن تستضيفهم مدة يومين. At the end of the month of June, under the pressure and the urgency of the Patriarch and the consuls of Jerusalem and Damascus, the acting Huran, and then was responsible for East Jordan, Northern and Balqa, Madaba to visit with fifty soldiers and a group of 160 Bedouin, the Madaba to host two days.
"وما أن وصلِ، حتى أعلنَ أنه جاءَ فقط لانهاءِ مشكلةِ مادبا. لقد رأيتُ أنه جدّي وودود. كان ينوي أن يقبض على كلِّ رؤساءِ بني صخر. وقد أوقفَ بعضاً منهم ثمَّ أطلقَ سراحَهم آملاً أن يأتي الآخرون فيتسنّى له القبض عليهم جميعا. لكنَّ أحداً منهم لم يأت... "Once that arrived, even declared that it was only for an end to the problem of Madaba. I saw that a serious and friendly. It was intended to arrest all the heads of Bani Sakhr. Some of them have been arrested and then released them, hoping that the others could then have them all arrested. But none of them did not come ...
لم يكن لديه القوّة الكافية للحصول على تعويضات عن الخسائرِ التي عانت منها مادبا... Did not have sufficient power to obtain compensation for losses suffered by the Madaba ... كما كانت هنالك دائماً سياسة القائممقام صديقَ بني صخر. As there was always the policy of Alqaimmqam friend Beni Sakhr. وهكذا بشكلٍ عام، لم يحصل شئ لمادبا، سوى هذا الاجتياح (من الضيوف) الذي أفرغَ ما بقي للمدينة من أرزاق"! Thus, in general, not something to Madaba, but this invasion (of guests), which emptied what was left of the livelihood of the city! "
وفي تموز، استمرَّ حصارُ المدينة بالرغمِ من كلَّ الوعود المُخادعة التي أعطاها القائممقام. In July, the siege of the city despite all the promises given by the deceptive Alqaimmqam